كتاب تاريخ الإسلام ت تدمري (اسم الجزء: 33)

وقيل: ركب البحر في الشّتاء من صور [1] إلى الدّيار المصريّة في سنة ستٍّ وستّين، والمستنصِر في غاية الضَّعْف واختلال الدّولة للغلاء والوباء الّذي تمّ من قريب، ولاختلاف الكلمة، فولّاه الأمور كلَّها، من وزارة السّيف، والقلم، وقضاء القُضاة، والتَّقدُّم على الدُّعاة [2] ، فضبط الأمور، وزال قُطُوع [3] المستنصِر واستفاق.
ولمّا دخل قرأ القارئ: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ 3: 123 [4] ووقف، فقال المستنصِر: لو أتمَّها لَضَرَبتُ عُنُقَه [5] .
ولم يزل إلى أن مات في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين [6] .
__________
[1] هكذا هنا، وكذا في سير أعلام النبلاء 19/ 82، أما ابن ميسّر فقال إنه ركب البحر الملح من عكا وكان مقيما بها فسار في أول كانون في مائة مركب، فقيل له: لم تجر العادة بركوب البحر في الشتاء، فأبى عليهم وسار إلى دمياط فذكروا (كذا) البحارة أنهم لم يروا صحوة تمادّت أربعين يوما إلّا في هذا الوقت، فكان أول سعادته. (أخبار مصر 2/ 22، 23) وانظر: أخبار الدول المنقطعة 76.
وقد قال ابن خلّكان إن المستنصر صاحب مصر استناب بدرا الجمالي بمدينة صور، وقيل:
عكا. (وفيات الأعيان/ 449) .
و «أقول» أنا خادم العلم محقق هذا الكتاب «عمر عبد السلام تدمري» :
الصحيح أن بدرا كان ينوب عن المستنصر في عكا وليس في صور، لأن صور كانت بيد قاضيها ابن أبي عقيل الّذي استقل بها منذ سنة 462 هـ. ولم يسترجعها بدر إلا في سنة 482 هـ. (انظر كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي والحضاريّ عبر العصور (طبعة ثانية) ج 1/ 370 وفيه مصادر الخبر) .
[2] الإشارة إلى من نال الوزارة 55، وقال ابن ميسّر: وخلع على بدر الجمالي بالطيلسان، وصار المستخدمون في حكمه والدعاة نوّابا عنه، وكذلك القضاة. وزيد في ألقاب أمير الجيوش:
كافل قضاة المسلمين. (أخبار مصر 2/ 23) وانظر: وفيات الأعيان 2/ 449.
[3] القطوع: الإدبار والنحس.
[4] سورة آل عمران، الآية: 123.
[5] وقيل غير ذلك. إن بدرا «لما قدم إلى مصر حضر إليه المتصدّرون بالجامع، فقرأ ابن العجمي:
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ 3: 123، وسكت عن تمام الآية، فقال له بدر: والله لقد جئت في مكانها، وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن، وأنعم عليه» . (أخبار مصر 2/ 23) .
[6] وكانت أيامه في مصر إحدى وعشرين سنة. قال علقمة بن عبد الرزاق العليمي: قصدت بدرا الجمالي بمصر، فرأيت أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم، ولم يصلوا إليه، فبينما أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرجت في أثره وأقمت معه حتى رجع من صيده، فلما قاربني وقفت على تلّ من الرمل وأومأت برقعة في يديّ، وأنشدت:

الصفحة 237