وحوله جَمٌّ غفير من عصبّيته، ومنهم من يصيح ويقول: لَا بحرف ولا صوت بل هي عبارة عَنْ ذلك. فرجمه العوامّ، ورُجِم أصحابُه، حتّى لم يكد يبقى في الطّريق ما يُرجم به. وكان هناك كَلْبٌ ميّت، فتراجموا به، وصار من ذلك فتنة كبيرة، لولا قُرْبُها من باب النُّوبي لهلك فيها جماعة. فاتّفق جواز موفّق المُلْك عثمان عميد بغداد، فهرب معظم أصحابه من حوله، صار قُصَارَى أمره أن يلقي نفسه عَنْ فَرَسه، ودخل في بعض الدّكاكين، وأغلق الباب، ووقف من تخلّف معه على الباب. حتّى انقضت الفتنة. ثمّ ركب طائر العقل إلى دار المملكة، ودخل إلى السّلطان مسعود، فحكى له الحال، فتقدَّم السّلطان إلى الأمير قيماز بالقبض على أبي الفتوح، وحمله إلى هَمَذَان، وتسليمه من هَمَذَان، وتسليمه من هَمَذَان إلى الأمير عبّاس ليحمله إلى إسْفَرَاين، ويُشهد عليه أنّه متى خرج منها فقد أطاح دم نفسه [1] .
393- محمد بن القاسم بن المظفَّر بن عليّ بن الشّهرزوريّ، ثمّ الموصليّ [2] .
__________
[1] وقال ابن الجوزي: قدم السلطان مسعود بغداد ومعه الحسن بن أبي بكر النَّيْسابوريّ الحنفيّ، أحد المناظرين، فجالسته، فجلس بجامع القصر، وكان يلعن الأشعريّ جهرا، ويقول: كُنْ شافعيًا ولا تكن أشعريًّا، وكُنْ حنفيًّا ولا تكن معتزِليًّا، وكن حنبليًّا، ولا تكن مشبّها، وكان على باب النظامية اسم الأشعري، فأمر السلطان بمحوه، وكتب مكانه: الشافعيّ، وكان الأسفراييني يعظ في رباطه، ويذكر محاسن مذهب الأشعري، فتقع الخصومات، فذهب الغزنوي، فأخبر السلطان بالفِتَن وقال: إنّ أبا الفتوح صاحب فتنة، وقد رجم غير مرة، والصواب إخراجه، فأخرج، وعاد الحسن النيسابورىّ إلى وطنه، وقد كانت اللعنة قائمة في الأسواق، وكان بين الأسفراييني وبين الواعظ أبي الحسن الغزنوي شنئان، فنودي في بغداد أنّ لَا يذكر أحد مذهبًا، (المنتظم 10/ 106- 108 و 110/ 18/ 31، 32 و 36) .
وقال المؤلّف الذهبي- رحمه الله-: لما سمع ابن عساكر بوفاة الأسفراييني أملى مجلسا في المعنى، سمعناه بالاتّصال، فينبغي للمسلم أن يستعيذ من الفتن، ولا يشغب بذكر غريب المذاهب لا في الأصول ولا في الفروع، فما رأيت الحركة في ذلك تحصّل خيرا، بل تثير شرّا وعداوة ومقتا للصلحاء والعبّاد من الفريقين، فتمسّك بالسّنّة، والزم الصمت، ولا تخض فيما لا يعنيك، وما أشكل عليك فردّه إلى الله ورسوله، وقف، وقل: الله ورسوله أعلم. (سير أعلام النبلاء 20/ 142) .
[2] انظر عن (محمد بن القاسم) في: الأنساب 7/ 418، 419، والمنتظم 10/ 112 رقم 155 (18/ 37 رقم 4103) ، وتاريخ دمشق لابن عساكر، ومشيخة ابن عساكر 206 ب، واللباب 2/ 216، 217، وخريدة القصر (قسم شعراء الشام) 2/ 322، وتاريخ إربل لابن المستوفي 1/ 203- 206 رقم 102، ووفيات الأعيان 4/ 68- 70 (في ترجمة أبيه) ، وطبقات الفقهاء