كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 1)

يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم الْغُرَاب وَالْحِدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور " فَالْفَاسِق يَشْمَل الْكَافِر وَالْعَاصِي وَلَكِنَّ فِسْق الْكَافِر أَشَدّ وَأَفْحَش وَالْمُرَاد مِنْ الْآيَة الْفَاسِق الْكَافِر وَاَللَّه أَعْلَم بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ " وَهَذِهِ الصِّفَات صِفَات الْكُفَّار الْمُبَايِنَة لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الرَّعْد" أَفَمَنْ يَعْلَم أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك الْحَقّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّر أُولُو الْأَلْبَاب الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق وَاَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَيَخْشَوْنَ رَبّهمْ وَيَخَافُونَ سُوء الْحِسَاب " الْآيَات إِلَى أَنْ قَالَ " وَاَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض أُولَئِكَ لَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار " وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّفْسِير فِي مَعْنَى الْعَهْد الَّذِي وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ وَصِيَّة اللَّه إِلَى خَلْقه وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَته وَنَهْيه إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته فِي كُتُبه وَعَلَى لِسَان رُسُله وَنَقْضهمْ ذَلِكَ هُوَ تَرْكهمْ الْعَمَل بِهِ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ فِي كُفَّار أَهْل الْكِتَاب وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَعَهْد اللَّه الَّذِي نَقَضُوهُ هُوَ مَا أَخَذَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة مِنْ الْعَمَل بِمَا فِيهَا وَاتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بُعِثَ وَالتَّصْدِيق بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ وَنَقْضهمْ ذَلِكَ هُوَ جُحُودهمْ بِهِ بَعْد مَعْرِفَتهمْ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْكَارهمْ ذَلِكَ وَكِتْمَانهمْ عِلْم ذَلِكَ عَنْ النَّاس بَعْد إِعْطَائِهِمْ اللَّه مِنْ أَنْفُسهمْ الْمِيثَاق لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا .
وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه وَهُوَ قَوْل مُقَاتِل بْن حَيَّان .
وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة جَمِيع أَهْل الْكُفْر وَالشِّرْك وَالنِّفَاق وَعَهْده إِلَى جَمِيعهمْ فِي تَوْحِيده مَا وَضَعَ لَهُمْ مِنْ الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَى رُبُوبِيَّته وَعَهْده إِلَيْهِمْ فِي أَمْره وَنَهْيه مَا اِحْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا يَقْدِر أَحَد مِنْ النَّاس غَيْرهمْ أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِهِ الشَّاهِدَة لَهُمْ عَلَى صِدْقهمْ
330@@@

الصفحة 329

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text