كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 1)

قَالَ اِبْن جَرِير وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِصْر فِرْعَوْن عَلَى قِرَاءَة الْإِجْرَاء أَيْضًا .
وَيَكُون ذَلِكَ مِنْ بَاب الِاتِّبَاع لِكِتَابَةِ الْمُصْحَف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى" قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا " ثُمَّ تَوَقَّفَ فِي الْمُرَاد مَا هُوَ أَمِصْر فِرْعَوْن أَمْ مِصْر مِنْ الْأَمْصَار وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَر وَالْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد مِصْر مِنْ الْأَمْصَار كَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره وَالْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام يَقُول لَهُمْ هَذَا الَّذِي سَأَلْتُمْ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَزِيز بَلْ هُوَ كَثِيرًا فِي أَيّ بَلَد دَخَلْتُمُوهَا وَجَدْتُمُوهُ فَلَيْسَ يُسَاوِي مَعَ دَنَاءَته وَكَثْرَته فِي الْأَمْصَار أَنْ أَسْأَل اللَّه فِيهِ .
وَلِهَذَا قَالَ " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْر اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ" أَيْ مَا طَلَبْتُمْ وَلَمَّا كَانَ سُؤَالهمْ هَذَا مِنْ بَاب الْبَطَر وَالْأَشَر وَلَا ضَرُورَة فِيهِ لَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم يَقُول تَعَالَى " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة وَالْمَسْكَنَة" أَيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ وَأُلْزِمُوا بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا أَيْ لَا يَزَالُونَ مُسْتَذَلِّينَ مَنْ وَجَدَهُمْ اِسْتَذَلَّهُمْ وَأَهَانَهُمْ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الصَّغَار وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسهمْ أَذِلَّاء مُسْتَكِينُونَ .
وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة وَالْمَسْكَنَة " قَالَ هُمْ أَصْحَاب الْقُبَالَات يَعْنِي الْجِزْيَة .
وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة " قَالَ يُعْطُونَ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ وَقَالَ الضَّحَّاك وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة قَالَ الذُّلّ .
وَقَالَ الْحَسَن أَذَلَّهُمْ اللَّه فَلَا مَنَعَة لَهُمْ وَجَعَلَهُمْ تَحْت أَقْدَام الْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّة وَإِنَّ الْمَجُوس لَتُجْبِيهِمْ الْجِزْيَة
429@@@

الصفحة 428

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text