كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 1)

وَأَمَّا الْفِتْنَة فَهِيَ الْمِحْنَة وَالِاخْتِبَار وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
وَقَدْ فُتِنَ النَّاس فِي دِينهمْ ... وَخَلَّى اِبْن عَفَّان شَرًّا طَوِيلَا
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ " إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُك " أَيْ اِبْتِلَاؤُك وَاخْتِبَارك وَامْتِحَانك " تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء " وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى تَكْفِير مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْر وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ هَمَّام عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : " مَنْ أَتَى كَاهِن أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلَهُ شَوَاهِد أُخَر وَقَوْله تَعَالَى " فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ " أَيْ فَيَتَعَلَّم النَّاس مِنْ هَارُوت وَمَارُوت مِنْ عِلْم السِّحْر مَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ فِيمَا يَتَصَرَّفُونَ مِنْ الْأَفَاعِيل الْمَذْمُومَة مَا إِنَّهُمْ لَيُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الزَّوْجَيْنِ مَعَ مَا بَيْنهمَا مِنْ الْخُلْطَة وَالِائْتِلَاف وَهَذَا مِنْ صَنِيع الشَّيَاطِين كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ طَلْحَة بْن نَافِع عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " إِنَّ الشَّيْطَان لَيَضَع عَرْشه عَلَى الْمَاء ثُمَّ يَبْعَث سَرَايَاهُ فِي النَّاس فَأَقْرَبهمْ عِنْده مَنْزِلَة أَعْظَمهمْ عِنْده فِتْنَة يَجِيء أَحَدهمْ فَيَقُول : مَا زُلْت بِفُلَانٍ حَتَّى تَرَكْته وَهُوَ يَقُول كَذَا وَكَذَا فَيَقُول إِبْلِيس : لَا وَاَللَّه مَا صَنَعْت شَيْئًا وَيَجِيء أَحَدهمْ فَيَقُول : مَا تَرَكْته حَتَّى فَرَّقْت بَيْنه وَبَيْن أَهْله قَالَ : فَيُقَرِّبهُ وَيُدْنِيه وَيَلْتَزِمهُ وَيَقُول : نَعَمْ أَنْتَ " وَسَبَب التَّفَرُّق بَيْن الزَّوْجَيْنِ بِالسِّحْرِ مَا يُخَيَّل إِلَى الرَّجُل أَوْ الْمَرْأَة مِنْ الْآخَر مِنْ سُوء مَنْظَر أَوْ خُلُق أَوْ نَحْو ذَلِكَ أَوْ عَقْد أَوْ بُغْضه أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لِلْفُرْقَةِ وَالْمَرْء عِبَارَة عَنْ الرَّجُل وَتَأْنِيثه اِمْرَأَة وَيُثَنَّى كُلّ مِنْهُمَا وَلَا يُجْمَعَانِ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه " قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّه وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق إِلَّا بِتَخْلِيَةِ اللَّه بَيْنه وَبَيْن مَا أَرَادَ وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ " وَمَا
537@@@

الصفحة 536

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text