كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 2)

.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ

قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ " أُولَئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى" أَيْ اعْتَاضُوا عَنْ الْهُدَى وَهُوَ نَشْر مَا فِي كُتُبهمْ مِنْ صِفَة الرَّسُول وَذِكْر مَبْعَثه وَالْبِشَارَة بِهِ مِنْ كُتُب الْأَنْبِيَاء وَاتِّبَاعه وَتَصْدِيقه اِسْتَبْدَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَاضُوا عَنْهُ الضَّلَالَة وَهُوَ تَكْذِيبه وَالْكُفْر بِهِ وَكِتْمَان صِفَاته فِي كُتُبهمْ " وَالْعَذَاب بِالْمَغْفِرَةِ " أَيْ اعْتَاضُوا عَنْ الْمَغْفِرَة بِالْعَذَابِ وَهُوَ مَا تَعَاطَوْهُ مِنْ أَسْبَابه الْمَذْكُورَة : وَقَوْله تَعَالَى " فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار " يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُمْ فِي عَذَاب شَدِيد عَظِيم هَائِل يَتَعَجَّبُ مَنْ رَآهُمْ فِيهَا مِنْ صَبْرهمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ شِدَّة مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْعَذَاب وَالنَّكَال وَالْأَغْلَال عِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله " فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار " أَيْ فَمَا أَدْوَمهمْ لِعَمَلِ الْمَعَاصِي الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّار.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ

قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ أَيْ إِنَّمَا اِسْتَحَقُّوا هَذَا الْعَذَاب الشَّدِيد لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْأَنْبِيَاء قَبْله كُتُبه بِتَحْقِيقِ الْحَقّ وَإِبْطَال الْبَاطِل وَهَؤُلَاءِ اِتَّخَذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا فَكِتَابهمْ يَأْمُرهُمْ بِإِظْهَارِ الْعِلْم وَنَشْره فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَهَذَا الرَّسُول الْخَاتَم يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَيَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيَجْحَدُونَهُ وَيَكْتُمُونَ صِفَته فَاسْتَهْزَءُوا بِآيَاتِ اللَّه الْمُنَزَّلَة عَلَى رُسُله فَلِهَذَا اِسْتَحَقُّوا الْعَذَاب وَالنَّكَال وَلِهَذَا قَالَ " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ " .
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
155@@@

الصفحة 154

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text