كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 2)

" وَقَوْله " حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ " يَقُول تَعَالَى وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَّا أَنْ يَبْدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِيهِ فَلَكُمْ حِينَئِذٍ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ دَفْعًا لِلصَّائِلِ كَمَا بَايَعَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابه يَوْم الْحُدَيْبِيَة تَحْت الشَّجَرَة عَلَى الْقِتَال لَمَّا تَأَلَّبَتْ عَلَيْهِ بُطُون قُرَيْش وَمَنْ وَالَاهُمْ مِنْ أَحْيَاء ثَقِيف وَالْأَحَابِيش عَامَئِذٍ ثُمَّ كَفَّ اللَّه الْقِتَال بَيْنهمْ فَقَالَ " وَهُوَ الَّذِي كَفّ أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة مِنْ بَعْد أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ " وَقَالَ " وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّة بِغَيْرِ عِلْم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَته مَنْ يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " .
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

أَيْ فَإِنْ تَرَكُوا الْقِتَال فِي الْحَرَم وَأَنَابُوا إِلَى الْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فَإِنَّ اللَّه يَغْفِر ذُنُوبهمْ وَلَوْ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي حَرَم اللَّه فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ لِمَنْ تَابَ مِنْهُ إِلَيْهِ .
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ

ثُمَّ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِقِتَالِ الْكُفَّار " حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَةٌ" أَيْ شِرْك قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَالسُّدِّيّ وَزَيْد بْن أَسْلَمَ " وَيَكُون الدِّين لِلَّهِ " أَيْ يَكُون دِين اللَّه هُوَ الظَّاهِر الْعَالِي عَلَى سَائِر الْأَدْيَان كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُل يُقَاتِل شُجَاعَة وَيُقَاتِل حَمِيَّة وَيُقَاتِل رِيَاء أَيّ ذَلِكَ فِي سَبِيل اللَّه ؟ فَقَالَ : " مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّه " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّه " .
وَقَوْله " فَإِنْ اِنْتَهَوْا فَلَا عُدْوَان إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " يَقُول تَعَالَى فَإِنْ اِنْتَهَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الشِّرْك وَقِتَال الْمُؤْمِنِينَ فَكَفُّوا عَنْهُمْ فَإِنَّ مَنْ قَاتَلَهُمْ بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ ظَالِم وَلَا عُدْوَان إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْل مُجَاهِد أَنْ لَا يُقَاتَلَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ أَوْ يَكُون تَقْدِيره فَإِنْ اِنْتَهَوْا فَقَدْ
218@@@

الصفحة 217

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text