كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 2)

وَأَصْحَابه " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْمُنَافِقِينَ كُلّهمْ وَفِي الْمُؤْمِنِينَ كُلّهمْ وَهَذَا قَوْل قَتَادَة وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَغَيْر وَاحِد وَهُوَ الصَّحِيح .
وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي يُونُس أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ خَالِد بْن يَزِيد عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ الْقُرَظِيّ عَنْ نَوْف وَهُوَ الْبِكَالِيّ وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَأ الْكُتُب قَالَ إِنِّي لَأَجِدُ صِفَة نَاس مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة فِي كِتَاب اللَّه الْمُنَزَّل قَوْم يَحْتَالُونَ عَلَى الدُّنْيَا بِالدِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ الْعَسَل وَقُلُوبهمْ أَمَرُّ مِنْ الصَّبْر يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوك الضَّأْن وَقُلُوبهمْ قُلُوب الذِّئَاب يَقُول اللَّه تَعَالَى : فَعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ وَبِي يَغْتَرُّونَ حَلَفْت بِنَفْسِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَة تَتْرُك الْحَلِيم فِيهَا حَيْرَان قَالَ الْقُرَظِيّ تَدَبَّرْتهَا فِي الْقُرْآن فَإِذَا هُمْ الْمُنَافِقُونَ فَوَجَدْتهَا " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ " الْآيَة وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مَعْشَر أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْشَر نَجِيح قَالَ : سَمِعْت سَعِيدًا الْمَقْبُرِيّ يُذَاكِر مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فَقَالَ سَعِيد : إِنَّ فِي بَعْض الْكُتُب : إِنَّ عِبَادًا أَلْسِنَتهمْ أَحْلَى مِنْ الْعَسَل وَقُلُوبهمْ أَمَرّ مِنْ الصَّبْر لَبِسُوا لِلنَّاسِ مُسُوك الضَّأْن مِنْ اللِّين يَشْتَرُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ قَالَ اللَّه تَعَالَى : عَلَيَّ تَجْتَرِئُونَ وَبِي تَغْتَرُّونَ ؟ وَعِزَّتِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَة تَتْرُك الْحَلِيم مِنْهُمْ حَيْرَان .
فَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : هَذَا فِي كِتَاب اللَّه فَقَالَ سَعِيد : وَأَيْنَ هُوَ مِنْ كِتَاب اللَّه قَالَ قَوْل اللَّه " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " الْآيَة فَقَالَ سَعِيد : قَدْ عَرَفْت فِيمَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب إِنَّ الْآيَة تَنْزِل فِي الرَّجُل ثُمَّ تَكُون عَامَّة بَعْدُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقُرَظِيّ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا قَوْله " وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ " فَقَرَأَهُ اِبْن مُحَيْصِن " وَيَشْهَدُ اللَّهُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْجَلَالَة " عَلَى مَا فِي قَلْبه" وَمَعْنَاهَا أَنَّ هَذَا وَإِنْ أَظْهَر لَكُمْ الْحِيَل لَكِنَّ اللَّه يَعْلَم مِنْ قَلْبه الْقَبِيح كَقَوْلِهِ تَعَالَى " إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّك لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ " وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِضَمِّ الْيَاء وَنَصْب الْجَلَالَة وَيُشْهِد اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبه وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ الْإِسْلَام وَيُبَارِز اللَّه بِمَا فِي قَلْبه مِنْ الْكُفْر وَالنِّفَاق كَقَوْلِهِ تَعَالَى " يَسْتَخْفُونَ
270@@@

الصفحة 269

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text