كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 4)

بَعِيدًا

هَذَا إِنْكَار مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَان بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله وَعَلَى الْأَنْبِيَاء الْأَقْدَمِينَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُرِيد أَنْ يَتَحَاكَم فِي فَصْل الْخُصُومَات إِلَى غَيْر كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُوله كَمَا ذُكِرَ فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار وَرَجُل مِنْ الْيَهُود تَخَاصَمَا فَجَعَلَ الْيَهُودِيّ يَقُول بَيْنِي وَبَيْنك مُحَمَّد وَذَاكَ يَقُول بَيْنِي وَبَيْنك كَعْب بْن الْأَشْرَف.
وَقِيلَ فِي جَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِمَّنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَام أَرَادُوا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى حُكَّام الْجَاهِلِيَّة .
وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَالْآيَة أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ كُلّه فَإِنَّهَا ذَامَّة لِمَنْ عَدَلَ عَنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَتَحَاكَمُوا إِلَى مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْبَاطِل وَهُوَ الْمُرَاد بِالطَّاغُوتِ هُنَا وَلِهَذَا قَالَ " يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت " إِلَى آخِرهَا .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا

وَقَوْله " وَيَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا " أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْك إِعْرَاضًا كَالْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُشْرِكِينَ " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اِتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِع مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا" وَهَؤُلَاءِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ " إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّه وَرَسُوله لِيَحْكُم بَيْنهمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " الْآيَة .
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي ذَمّ الْمُنَافِقِينَ " فَكَيْف إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ " أَيْ
139@@@

الصفحة 138

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text