كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 4)

وَسَلَّمَ " كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُولَد الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَلْ تَجِدُونَ بِهَا مِنْ جَدْعَاء " وَهُوَ صَحِيح مُسْلِم عَنْ عِيَاض بْن حَمَّاد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء فَجَاءَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْت لَهُمْ " ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَمَنْ يَتَّخِذ الشَّيْطَان وَلِيًّا مِنْ دُون اللَّه فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا " أَيْ فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَتِلْكَ خَسَارَة لَا جَبْر لَهَا وَلَا اِسْتِدْرَاك لِفَائِتَتِهَا .
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120)
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

وَقَوْله تَعَالَى وَهَذَا إِخْبَار عَنْ الْوَاقِع فَإِنَّ الشَّيْطَان يَعِد أَوْلِيَاءَهُ وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى فِي ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَمَا يَعِدهُمْ الشَّيْطَان إِلَّا غُرُورًا " كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْلِيس يَوْم الْمَعَاد وَقَالَ الشَّيْطَان لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر إِنَّ اللَّه وَعَدَكُمْ وَعْد الْحَقّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان - إِلَى قَوْله - وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم " .
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا

وَقَوْله " أُولَئِكَ " أَيْ الْمُسْتَحْسِنُونَ لَهُ فِيمَا وَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ " مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم " أَيْ مَصِيرهمْ وَمَآلهمْ يَوْم الْقِيَامَة " وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا " أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عَنْهَا مَنْدُوحَة وَلَا مَصْرِف وَلَا خَلَاص وَلَا مَنَاص ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حَال السُّعَدَاء وَالْأَتْقِيَاء وَمَالهمْ مِنْ الْكَرَامَة التَّامَّة .
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا

فَقَالَ تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " أَيْ صَدَقَتْ قُلُوبهمْ وَعَمِلَتْ جَوَارِحهمْ بِمَا أُمِرُوا بِهِ
280@@@

الصفحة 279

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text