كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 4)

@
وَبَدَّلُوا أَشْيَاء كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسهمْ تَشْدِيدًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ وَتَضْيِيقًا وَتَنَطُّعًا وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون شَرْعِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة أَشْيَاء كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ قَبْل ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " كُلّ الطَّعَام كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيل عَلَى نَفْسه مِنْ قَبْل أَنْ تُنَزَّل التَّوْرَاة " وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْآيَة وَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْجَمِيع مِنْ الْأَطْعِمَة كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ مِنْ قَبْل أَنْ تُنَزَّل التَّوْرَاة مَا عَدَا مَا كَانَ حَرَّمَ إِسْرَائِيل عَلَى نَفْسه مِنْ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ أَشْيَاء كَثِيرَة فِي التَّوْرَاة كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْأَنْعَام " وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلّ ذِي ظُفْر وَمِنْ الْبَقَر وَالْغَنَم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومهمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورهمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " أَيْ إِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ بَغْيهمْ وَطُغْيَانهمْ وَمُخَالَفَتهمْ رَسُولهمْ وَاخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ " فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه كَثِيرًا " أَيْ صَدُّوا النَّاس وَصَدُّوا أَنْفُسهمْ عَنْ اِتِّبَاع الْحَقّ وَهَذِهِ سَجِيَّة لَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَا مِنْ قَدِيم الدَّهْر وَحَدِيثه وَلِهَذَا كَانُوا أَعْدَاء الرُّسُل وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَكَذَّبُوا عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمَا .
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
وَقَوْله " وَأَخْذهمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ " أَيْ أَنَّ اللَّه قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ الرِّبَا فَتَنَاوَلُوهُ وَأَخَذُوهُ وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحِيَل وَصُنُوف مِنْ الشَّبَه وَأَكَلُوا أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ قَالَ تَعَالَى " وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " .
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم مِنْهُمْ " أَيْ الثَّابِتُونَ فِي الدِّين لَهُمْ قَدَم رَاسِخَة فِي الْعِلْم النَّافِع .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَة آل عِمْرَان " وَالْمُؤْمِنُونَ " عَطْف عَلَى الرَّاسِخِينَ وَخَبَره " يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك " قَالَ اِبْن عَبَّاس : أُنْزِلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَثَعْلَبَة بْن سُعَيَّة وَأَسَد بْن سُعَيَّة وَأَسَد بْن عُبَيْد الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام وَصَدَّقُوا بِمَا أَرْسَلَ اللَّه بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
369@@@

الصفحة 368

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text