كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 6)

وَقَوْله تَعَالَى " وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " أَيْ حَيْثُ عَدَلْتُمْ عَنْ أَمْر اللَّه لَكُمْ وَشَرْعه إِلَى قَوْل غَيْره فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْره فَهَذَا هُوَ الشِّرْك كَقَوْلِهِ تَعَالَى " اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه " الْآيَة .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ فِي تَفْسِيرهَا عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا عَبَدُوهُمْ فَقَالَ بَلَى إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ الْحَرَام وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الْحَلَال فَاتَّبَعُوهُمْ فَذَلِكَ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُمْ .
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي كَانَ مَيْتًا أَيْ فِي الضَّلَالَة هَالِكًا حَائِرًا فَأَحْيَاهُ اللَّه أَيْ أَحْيَا قَلْبه بِالْإِيمَانِ وَهَدَاهُ لَهُ وَوَفَّقَهُ لِاتِّبَاعِ رُسُله " وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس " أَيْ يَهْتَدِي كَيْفَ يَسْلُك وَكَيْفَ يَتَصَرَّف بِهِ وَالنُّور هُوَ الْقُرْآن كَمَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ وَابْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ السُّدِّيّ : الْإِسْلَام وَالْكُلّ صَحِيح " كَمَنْ مَثَله فِي الظُّلُمَات " أَيْ الْجَهَالَات وَالْأَهْوَاء وَالضَّلَالَات الْمُتَفَرِّقَة " لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا" أَيْ لَا يَهْتَدِي إِلَى مَنْفَذ وَلَا مُخَلِّص مِمَّا هُوَ فِيهِ وَفِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " إِنَّ اللَّه خَلَقَ خَلْقه فِي ظُلْمَة ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُوره فَمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ النُّور اِهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ " كَمَا قَالَ تَعَالَى " اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إِلَى الظُّلُمَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " وَقَالَ تَعَالَى" أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهه أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " وَقَالَ تَعَالَى " مَثَل الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمّ وَالْبَصِير وَالسَّمِيع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور
160@@@

الصفحة 159

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text