كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 6)

هَذِهِ مُنَاظَرَة ذَكَرَهَا اللَّه تَعَالَى وَشُبْهَة تَشَبَّثَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ فِي شِرْكهمْ وَتَحْرِيم مَا حَرَّمُوا فَإِنَّ اللَّه مُطَّلِع عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشِّرْك وَالتَّحْرِيم لِمَا حَرَّمُوهُ وَهُوَ قَادِر عَلَى تَغْيِيره بِأَنْ يُلْهِمنَا الْإِيمَان وَيَحُول بَيْننَا وَبَيْن الْكُفْر فَلَمْ يُغَيِّرهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَته وَرِضَاهُ مِنَّا بِذَلِكَ وَلِهَذَا قَالُوا " لَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى " وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَن مَا عَبَدْنَاهُمْ " الْآيَة وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي فِي النَّحْل مِثْل هَذِهِ سَوَاء قَالَ اللَّه تَعَالَى " كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " أَيْ بِهَذِهِ الشُّبْهَة ضَلَّ مَنْ ضَلَّ قَبْل هَؤُلَاءِ وَهِيَ حُجَّة دَاحِضَة بَاطِلَة لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَة لَمَا أَذَاقَهُمْ اللَّه بَأْسه وَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ وَأَدَالَ عَلَيْهِمْ رُسُله الْكِرَام وَأَذَاقَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَلِيم الِانْتِقَام " قُلْ هَلْ عِنْدكُمْ مِنْ عِلْم " أَيْ بِأَنَّ اللَّه رَاضٍ عَنْكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ " فَتُخْرِجُوهُ لَنَا" أَيْ فَتُظْهِرُوهُ لَنَا وَتُبَيِّنُوهُ وَتُبْرِزُوهُ " إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنّ " أَيْ الْوَهْم وَالْخَيَال وَالْمُرَاد بِالظَّنِّ هَهُنَا الِاعْتِقَاد الْفَاسِد " وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ" تَكْذِبُونَ عَلَى اللَّه فِيمَا اِدَّعَيْتُمُوهُ قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكْنَا" وَقَالَ " كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " ثُمَّ قَالَ" وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا " فَإِنَّهُمْ قَالُوا عِبَادَتنَا الْآلِهَة تُقَرِّبنَا إِلَى اللَّه زُلْفَى فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه أَنَّهَا لَا تُقَرِّبهُمْ فَقَوْله " وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا " يَقُول تَعَالَى عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ .
205@@@

الصفحة 204

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text