كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 6)

وَالْعِلْم بِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره كَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق بِذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي غَرَائِزهمْ وَفِطَرهمْ وَمَعَ هَذَا قَدَّرَ أَنَّ مِنْهُمْ شَقِيًّا وَمِنْهُمْ سَعِيدًا " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " وَفِي الْحَدِيث " كُلّ النَّاس يَغْدُو فَبَائِع نَفْسه فَمُعْتِقهَا أَوْ مُوبِقهَا " .
وَقَدَر اللَّه نَافِذ فِي بَرِيَّته فَإِنَّهُ هُوَ " الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى " وَ" الَّذِي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ" فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل السَّعَادَة وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاوَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل الشَّقَاوَة " .
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ

قَالَ تَعَالَى " فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقَالَ " إِنَّهُمْ اِتَّخَذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء مِنْ دُون اللَّه " قَالَ اِبْن جَرِير وَهَذَا مِنْ أَبْيَن الدَّلَالَة عَلَى خَطَأ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَة رَكِبَهَا أَوْ ضَلَالَة اِعْتَقَدَهَا إِلَّا أَنْ يَأْتِيهَا بَعْد عِلْم مِنْهُ بِصَوَابِ وَجْههَا فَيَرْكَبهَا عِنَادًا مِنْهُ لِرَبِّهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْن فَرِيق الضَّلَالَة الَّذِي ضَلَّ وَهُوَ يَحْسَب أَنَّهُ مُهْتَدٍ وَفَرِيق الْهُدَى فَرْق وَقَدْ فَرَّقَ اللَّه تَعَالَى بَيْن أَسْمَائِهِمَا وَأَحْكَامهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة.
يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ

هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة رَدّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ عُرَاة كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَابْن جَرِير وَاللَّفْظ لَهُ مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ عَنْ مُسْلِم الْبُطَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة الرِّجَال وَالنِّسَاء الرِّجَال بِالنَّهَارِ وَالنِّسَاء بِاللَّيْلِ وَكَانَتْ الْمَرْأَة تَقُول :
الْيَوْم يَبْدُو بَعْضه أَوْ كُلّه ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلّهُ
فَقَالَ اللَّه تَعَالَى " خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد"
286@@@

الصفحة 285

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text