كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 8)

فَيُصْرَف مِنْهُ دَم إِلَى الْعُرُوق وَلَبَن إِلَى الضَّرْع وَبَوْل إِلَى الْمَثَانَة وَرَوْث إِلَى الْمَخْرَج وَكُلّ مِنْهَا لَا يَشُوب الْآخَر وَلَا يُمَازِجهُ بَعْد اِنْفِصَاله عَنْهُ وَلَا يَتَغَيَّر بِهِ وَقَوْله " لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ " أَيْ لَا يُغَصّ بِهِ أَحَد.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّبَن وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ شَرَابًا لِلنَّاسِ سَائِغًا ثَنَّى بِذِكْرِ مَا يَتَّخِذهُ النَّاس مِنْ الْأَشْرِبَة مِنْ ثَمَرَات النَّخِيل وَالْأَعْنَاب وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنْ النَّبِيذ الْمُسْكِر قَبْل تَحْرِيمه وَلِهَذَا اِمْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ " وَمِنْ ثَمَرَات النَّخِيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا " دَلَّ عَلَى إِبَاحَته شَرْعًا قَبْل تَحْرِيمه وَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَة بَيْن الْمُسْكِر الْمُتَّخَذ مِنْ النَّخْل وَالْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب كَمَا هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء وَكَذَا حُكْم سَائِر الْأَشْرِبَة الْمُتَّخَذَة مِنْ الْحِنْطَة وَالشَّعِير وَالذُّرَة وَالْعَسَل كَمَا جَاءَتْ السُّنَّة بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْط ذَلِكَ كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا " قَالَ السَّكَر مَا حَرُمَ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا وَالرِّزْق الْحَسَن مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا وَفِي رِوَايَة السَّكَر حَرَامه وَالرِّزْق الْحَسَن حَلَاله يَعْنِي مَا يَبِسَ مِنْهُمَا مِنْ تَمْر وَزَبِيب وَمَا عُمِلَ مِنْهُمَا مِنْ طِلَاء وَهُوَ الدِّبْس وَخَلّ وَنَبِيذ حَلَال يُشْرَب قَبْل أَنْ يَشْتَدّ كَمَا وَرَدَتْ السُّنَّة بِذَلِكَ " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " نَاسَبَ ذِكْر الْعَقْل هَاهُنَا فَإِنَّهُ أَشْرَف مَا فِي الْإِنْسَان وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّه عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة الْأَشْرِبَة الْمُسْكِرَة صِيَانَة لِعُقُولِهَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُون لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَره وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ سُبْحَان الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج كُلّهَا مِمَّا تُنْبِت الْأَرْض وَمِنْ أَنْفُسهمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ " .
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

الْمُرَاد بِالْوَحْيِ هُنَا الْإِلْهَام وَالْهِدَايَة وَالْإِرْشَاد لِلنَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا تَأْوِي
325@@@

الصفحة 324

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text