كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 8)

وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْم الْقِيَامَة فِي الْعَرَصَات فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّة وَانْكَشَفَ عِلْم اللَّه فِيهِمْ بِسَابِقِ السَّعَادَة وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّار دَاخِرًا وَانْكَشَفَ عِلْم اللَّه فِيهِ بِسَابِقِ الشَّقَاوَة .
وَهَذَا الْقَوْل يَجْمَع بَيْن الْأَدِلَّة كُلّهَا وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة الْمُتَعَاضِدَة الشَّاهِد بَعْضهَا لِبَعْضٍ وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَاب الِاعْتِقَاد وَكَذَلِكَ غَيْره مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاء وَالْحُفَّاظ وَالنُّقَّاد .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ النَّمِرِيّ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحَادِيث الِامْتِحَان ثُمَّ قَالَ : وَأَحَادِيث هَذَا الْبَاب لَيْسَتْ قَوِيَّة وَلَا تَقُوم بِهَا حُجَّة وَأَهْل الْعِلْم يُنْكِرُونَهَا لِأَنَّ الْآخِرَة دَار جَزَاء وَلَيْسَتْ بِدَارِ عَمَل وَلَا اِبْتِلَاء فَكَيْف يُكَلَّفُونَ دُخُول النَّار وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْع الْمَخْلُوقِينَ وَاَللَّه لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا " وَالْجَوَاب " عَمَّا قَالَ إِنَّ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيح كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِير مِنْ أَئِمَّة الْعُلَمَاء وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَن وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيف يَقْوَى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَن وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيث الْبَاب الْوَاحِد مُتَّصِلَة مُتَعَاضِدَة عَلَى هَذَا النَّمَط أَفَادَتْ الْحُجَّة عِنْد النَّاظِر فِيهَا وَأَمَّا قَوْله إِنَّ الدَّار الْآخِرَة دَار جَزَاء فَلَا شَكّ أَنَّهَا دَار جَزَاء وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيف فِي عَرَصَاتهَا قَبْل دُخُول الْجَنَّة أَوْ النَّار كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ عَنْ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة مِنْ اِمْتِحَان الْأَطْفَال وَقَدْ قَالَ تَعَالَى " يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُود " الْآيَة وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاح وَغَيْرهَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ
456@@@

الصفحة 455

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text