كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 8)

لَا يَجُور فَيُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقّهُ مِنْ السَّعَادَة وَالشَّقَاوَة فَلَا رَادّ لِحُكْمِهِ وَلَا مَانِع لِمَا أَعْطَى وَلَا مُغَيِّر لِمَا أَرَادَ وَلِهَذَا قَالَ " وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّك مَحْظُورًا " أَيْ لَا يَمْنَعهُ أَحَد وَلَا يَرُدّهُ رَادّ قَالَ قَتَادَة " وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّك مَحْظُورًا " أَيْ مَنْقُوصًا وَقَالَ الْحَسَن وَغَيْره أَيْ مَمْنُوعًا .
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " اُنْظُرْ كَيْف فَضَّلْنَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض " أَيْ فِي الدُّنْيَا فَمِنْهُمْ الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَبَيْن ذَلِكَ وَالْحَسَن وَالْقَبِيح وَبَيْن ذَلِكَ وَمَنْ يَمُوت صَغِيرًا وَمَنْ يُعَمَّر حَتَّى يَبْقَى شَيْخًا كَبِيرًا وَبَيْن ذَلِكَ " وَلَلْآخِرَة أَكْبَر دَرَجَات وَأَكْبَر تَفْضِيلًا " أَيْ وَلَتَفَاوُتهُمْ فِي الدَّار الْآخِرَة أَكْبَر مِنْ الدُّنْيَا فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَكُون فِي الدَّرَكَات فِي جَهَنَّم وَسَلَاسِلهَا وَأَغْلَالهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُون فِي الدَّرَجَات الْعُلَى وَنَعِيمهَا وَسُرُورهَا ثُمَّ أَهْل الدَّرَكَات يَتَفَاوَتُونَ فِيمَا هُمْ فِيهِ كَمَا أَنَّ أَهْل الدَّرَجَات يَتَفَاوَتُونَ فَإِنَّ الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة مَا بَيْن كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّ أَهْل الدَّرَجَات الْعُلَى لَيَرَوْنَ أَهْل عِلِّيِّينَ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَب الْغَابِر فِي أُفُق السَّمَاء " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلَلْآخِرَة أَكْبَر دَرَجَات وَأَكْبَر تَفْضِيلًا " وَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَة زَاذَان عَنْ سَلْمَان مَرْفُوعًا " مَا مِنْ عَبْد يُرِيد أَنْ يَرْتَفِع فِي الدُّنْيَا دَرَجَة فَارْتَفَعَ إِلَّا وَضَعَهُ اللَّه فِي الْآخِرَة أَكْبَر مِنْهَا " ثُمَّ قَرَأَ " وَلَلْآخِرَة أَكْبَر دَرَجَات وَأَكْبَر تَفْضِيلًا " .
لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)
لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا

يَقُول تَعَالَى وَالْمُرَاد الْمُكَلَّفُونَ مِنْ الْأُمَّة لَا تَجْعَل أَيّهَا الْمُكَلَّف فِي عِبَادَتك رَبّك لَهُ شَرِيكًا " فَتَقْعُد مَذْمُومًا " أَيْ عَلَى إِشْرَاكك " مَخْذُولًا " لِأَنَّ الرَّبّ تَعَالَى لَا يَنْصُرك بَلْ يَكِلك إِلَى الَّذِي عَبَدْت مَعَهُ وَهُوَ لَا يَمْلِك لَك ضَرًّا وَلَا نَفْعًا لِأَنَّ مَالِك الضُّرّ وَالنَّفْع هُوَ اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ .
466@@@

الصفحة 465

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text