كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 9)

يَقُول تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى شَرَف الْقُرْآن وَمُحَرِّضًا لَهُمْ عَلَى مَعْرِفَة قَدْره " لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْركُمْ " قَالَ اِبْن عَبَّاس شَرَفكُمْ وَقَالَ مُجَاهِد حَدِيثكُمْ وَقَالَ الْحَسَن دِينكُمْ " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " أَيْ هَذِهِ النِّعْمَة وَتَتَلَقَّوْنَهَا بِالْقَبُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ " .
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11)
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ

وَقَوْله " وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَة " هَذِهِ صِيغَة تَكْثِير كَمَا قَالَ " وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُون مِنْ بَعْد نُوح " وَقَالَ تَعَالَى " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَة فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا" الْآيَة .
وَقَوْله " وَأَنْشَأْنَا بَعْدهَا قَوْمًا آخَرِينَ " أَيْ أُمَّة أُخْرَى بَعْدهمْ .
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12)
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ

" فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسنَا " أَيْ تَيَقَّنُوا أَنَّ الْعَذَاب وَاقِع بِهِمْ لَا مَحَالَة كَمَا وَعَدَهُمْ نَبِيّهمْ " إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ" أَيْ يَفِرُّونَ هَارِبِينَ .
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ

" لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنكُمْ " هَذَا تَهَكُّم بِهِمْ نَزْرًا أَيْ قِيلَ لَهُمْ نَزْرًا لَا تَرْكُضُوا هَارِبِينَ مِنْ نُزُول الْعَذَاب وَارْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ النِّعْمَة وَالسُّرُور وَالْمَعِيشَة وَالْمَسَاكِن الطَّيِّبَة قَالَ قَتَادَة اِسْتِهْزَاء بِهِمْ " لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ " أَيْ عَمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ أَدَاء شُكْر النِّعَم .
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14)
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا

" قَالُوا يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ حِين لَا يَنْفَعهُمْ ذَلِكَ .
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ

" فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ أَيْ مَا زَالَتْ تِلْكَ الْمَقَالَة وَهِيَ الِاعْتِرَاف بِالظُّلْمِ هِجِّيرَاهُمْ حَتَّى حَصَدْنَاهُمْ حَصْدًا وَخَمَدَتْ حَرَكَاتهمْ وَأَصْوَاتهمْ خُمُودًا .
395@@@

الصفحة 394