كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 10)
الشِّرْك " هُمْ لَهَا عَامِلُونَ" قَالَ لَا بُدّ أَنْ يَعْمَلُوهَا كَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ آخَرُونَ " وَلَهُمْ أَعْمَال مِنْ دُون ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ " أَيْ قَدْ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ أَعْمَال سَيِّئَة لَا بُدّ أَنْ يَعْمَلُوهَا قَبْل مَوْتهمْ لَا مَحَالَة لِتَحِقّ عَلَيْهِمْ كَلِمَة الْعَذَاب وَرُوِيَ نَحْو هَذَا عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّان وَالسُّدِّيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم وَهُوَ ظَاهِر قَوِيّ حَسَن وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود " فَوَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره إِنَّ الرَّجُل لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار فَيَدْخُلهَا " .حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64)
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ
وَقَوْله " حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ " يَعْنِي حَتَّى إِذَا جَاءَ مُتْرَفِيهِمْ وَهُمْ الْمُنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا عَذَاب اللَّه وَبَأْسه وَنِقْمَته بِهِمْ" إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ " أَيْ يَصْرُخُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النِّعْمَة وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى" وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلهمْ مِنْ قَرْن فَنَادَوْا وَلَاتَ حِين مَنَاص " .
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ
وَقَوْله" لَا تَجْأَرُوا الْيَوْم إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ " أَيْ لَا يُجِيركُمْ أَحَد مِمَّا حَلَّ بِكُمْ سَوَاء جَأَرْتُمْ أَوْ سَكَتُّمْ لَا مَحِيد وَلَا مَنَاص وَلَا وِزْر لَزِمَ الْأَمْر وَوَجَبَ الْعَذَاب ثُمَّ ذَكَرَ أَكْبَر ذُنُوبهمْ .
قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)
قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ
فَقَالَ " قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ تَنْكُصُونَ " أَيْ إِذَا دُعِيتُمْ أَبَيْتُمْ إِنْ طُلِبْتُمْ اِمْتَنَعْتُمْ " ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّه وَحْده كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَك بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْم لِلَّهِ الْعَلِيّ الْكَبِير " .
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ
وَقَوْله " مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ " فِي تَفْسِيره قَوْلَانِ " أَحَدهمَا " أَنَّ مُسْتَكْبِرِينَ حَال مِنْهُمْ حِين نُكُوصهمْ عَنْ الْحَقّ وَإِبَائِهِمْ إِيَّاهُ اِسْتِكْبَارًا عَلَيْهِ وَاحْتِقَارًا لَهُ وَلِأَهْلِهِ فَعَلَى هَذَا الضَّمِير فِي بِهِ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال " أَحَدهَا " أَنَّهُ الْحَرَم أَيْ مَكَّة ذُمُّوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمِّرُونَ فِيهِ بِالْهَجْرِ مِنْ الْكَلَام .
" الثَّانِي " : أَنَّهُ ضَمِير لِلْقُرْآنِ كَانُوا يُسَمِّرُونَ وَيَذْكُرُونَ الْقُرْآن بِالْهَجْرِ مِنْ الْكَلَام : إِنَّهُ سِحْر إِنَّهُ شِعْر إِنَّهُ كِهَانَة إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَال الْبَاطِلَة .
" وَالثَّالِث " : أَنَّهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَذْكُرُونَهُ فِي سَمَرهمْ بِالْأَقْوَالِ الْفَاسِدَة وَيَضْرِبُونَ لَهُ الْأَمْثَال الْبَاطِلَة مِنْ أَنَّهُ شَاعِر أَوْ كَاهِن أَوْ سَاحِر أَوْ كَذَّاب أَوْ مَجْنُون
133@@@