كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 10)

وَتَفَهُّمهَا وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا آنَاء اللَّيْل وَأَطْرَاف النَّهَار كَمَا فَعَلَهُ النُّجَبَاء مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَاتَّبَعَ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ .
وَقَالَ قَتَادَة " أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل " إِذًا وَاَللَّه يَجِدُونَ فِي الْقُرْآن زَاجِرًا عَنْ مَعْصِيَة اللَّه لَوْ تَدَبَّرَهُ الْقَوْم وَعَقَلُوهُ وَلَكِنَّهُمْ أَخَذُوا بِمَا تَشَابَهَ بِهِ فَهَلَكُوا عِنْد ذَلِكَ .
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ

ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَى الْكَافِرِينَ مِنْ قُرَيْش " أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولهمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ " أَيْ أَفَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وَصِدْقه وَأَمَانَته وَصِيَانَته الَّتِي نَشَأَ بِهَا فِيهِمْ أَيْ أَفَيَقْدِرُونَ عَلَى إِنْكَار ذَلِكَ وَالْمُبَاهَتَة فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِلنَّجَاشِيِّ مَلِك الْحَبَشَة : أَيّهَا الْمَلِك إِنَّ اللَّه بَعَثَ فِينَا رَسُولًا نَعْرِف نَسَبه وَصِدْقه وَأَمَانَته وَهَكَذَا قَالَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة لِنَائِبِ كِسْرَى حِين بَارَزَهُمْ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو سُفْيَان صَخْر بْن حَرْب لِمَلِكِ الرُّوم هِرَقْل حِين سَأَلَهُ وَأَصْحَابه عَنْ صِفَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَسَبه وَصِدْقه وَأَمَانَته وَكَانُوا بَعْدُ كُفَّارًا لَمْ يُسْلِمُوا وَمَعَ هَذَا لَمْ يُمْكِنهُمْ إِلَّا الصِّدْق فَاعْتَرَفُوا بِذَلِكَ .
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ

وَقَوْله " أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّة " يَحْكِي قَوْل الْمُشْرِكِينَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَقَوَّلَ الْقُرْآن أَيْ اِفْتَرَاهُ مِنْ عِنْده أَوْ أَنَّ بِهِ جُنُونًا لَا يَدْرِي مَا يَقُول وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّ قُلُوبهمْ لَا تُؤْمِن بِهِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَان مَا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآن فَإِنَّهُ أَتَاهُمْ مِنْ كَلَام اللَّه مَا لَا يُطَاق وَلَا يُدَافَع وَقَدْ تَحَدَّاهُمْ وَجَمِيع أَهْل الْأَرْض أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ إِنْ اِسْتَطَاعُوا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَبَد الْآبِدِينَ وَلِهَذَا قَالَ " بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرهمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ " يُحْتَمَل أَنْ تَكُون هَذِهِ جُمْلَة حَالِيَّة أَيْ فِي حَالَة كَرَاهَة أَكْثَرهمْ لِلْحَقِّ وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون خَبَرِيَّة مُسْتَأْنَفَة وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَالَ قَتَادَة ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ رَجُلًا " فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ " فَقَالَ الرَّجُل إِنَّك لَتَدْعُونِي إِلَى أَمْر أَنَا لَهُ كَارِه فَقَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَإِنْ كُنْت كَارِهًا " وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ " أَسْلِمْ " فَتَصَعَّدَهُ ذَلِكَ وَكَبُرَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَرَأَيْت لَوْ كُنْت فِي طَرِيق وَعْر وَعْث فَلَقِيت رَجُلًا تَعْرِف وَجْهه وَتَعْرِف نَسَبه فَدَعَاك إِلَى طَرِيق وَاسِع سَهْل أَكُنْت تَتْبَعهُ ؟ " قَالَ نَعَمْ : قَالَ " فَوَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنَّك لَفِي أَوْعَر مِنْ
135@@@

الصفحة 134

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text