كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 10)
هَذَا تَأْدِيب آخَر بَعْد الْأَوَّل الْآمِر بِظَنِّ الْخَيْر أَيْ إِذَا ذُكِرَ مَا لَا يَلِيق مِنْ الْقَوْل فِي شَأْن الْخِيرَة فَأَوْلَى يَنْبَغِي الظَّنّ بِهِمْ خَيْرًا .وَأَنْ لَا يُشْعِر نَفْسه سِوَى ذَلِكَ ثُمَّ إِنْ عَلِقَ بِنَفْسِهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَسْوَسَة أَوْ خَيَالًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ اللَّه تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَل " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُون لَنَا أَنْ نَتَكَلَّم بِهَذَا " أَيْ مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَفَوَّه بِهَذَا الْكَلَام وَلَا نَذْكُرهُ لِأَحَدٍ " سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم " أَيْ سُبْحَان اللَّه أَنْ يُقَال هَذَا الْكَلَام عَلَى زَوْجَة رَسُوله وَحَلِيلَة خَلِيله .
يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " يَعِظكُمْ اللَّه أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا " أَيْ يَنْهَاكُمْ اللَّه مُتَوَعِّدًا أَنْ يَقَع مِنْكُمْ مَا يُشْبِه هَذَا أَبَدًا أَيْ فِيمَا يُسْتَقْبَل وَلِهَذَا قَالَ " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَشَرْعه وَتُعَظِّمُونَ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالْكُفْرِ فَلَهُ حُكْم آخَر .
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَيُبَيِّن اللَّه لَكُمْ الْآيَات " أَيْ يُوَضِّح لَكُمْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَالْحِكَم الْقَدَرِيَّة " وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم " أَيْ عَلِيم بِمَا يُصْلِح عِبَاده حَكِيم فِي شَرْعه وَقَدَره .
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
هَذَا تَأْدِيب ثَالِث لِمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ الْكَلَام السَّيِّئ فَقَامَ بِذِهْنِهِ شَيْء مِنْهُ وَتَكَلَّمَ فَلَا يُكْثِر مِنْهُ وَلَا يُشِيعهُ وَيُذِيعهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيع الْفَاحِشَة فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَاب أَلِيم " أَيْ يَخْتَارُونَ ظُهُور الْكَلَام عَنْهُمْ بِالْقَبِيحِ " لَهُمْ عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا" أَيْ بِالْحَدِّ وَفِي الْآخِرَة بِالْعَذَابِ الْأَلِيم " وَاَللَّه يَعْلَم وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ فَرُدُّوا الْأُمُور إِلَيْهِ تَرْشُدُوا
196@@@