كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 10)

مِنْ هَهُنَا شَرَعَ سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي بَيَان الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَى وُجُوده وَقُدْرَته التَّامَّة عَلَى خَلْق الْأَشْيَاء الْمُخْتَلِفَة وَالْمُتَضَادَّة فَقَالَ تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبّك كَيْف مَدَّ الظِّلّ " ؟ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَأَبُو الْعَالِيَة وَأَبُو مَالِك وَمَسْرُوق وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالنَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَقَتَادَة : هُوَ مَا بَيْن طُلُوع الْفَجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس " وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا " أَيْ دَائِمًا لَا يَزُول كَمَا قَالَ تَعَالَى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ اللَّيْل سَرْمَدًا " الْآيَات وَقَوْله تَعَالَى : " ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْس عَلَيْهِ دَلِيلًا " أَيْ لَوْلَا أَنَّ الشَّمْس تَطْلُع عَلَيْهِ لَمَا عُرِفَ فَإِنَّ الضِّدّ لَا يُعْرَف إِلَّا بِضِدِّهِ .
وَقَالَ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ دَلِيلًا تَتْلُوهُ وَتَتْبَعهُ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ كُلّه .
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا

وَقَوْله تَعَالَى : " ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا " أَيْ الظِّلّ وَقِيلَ الشَّمْس " يَسِيرًا " أَيْ سَهْلًا قَالَ اِبْن عَبَّاس سَرِيعًا وَقَالَ مُجَاهِد خَفِيًّا وَقَالَ السُّدِّيّ قَبْضًا خَفِيًّا حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرْض ظِلّ إِلَّا تَحْت سَقْف أَوْ تَحْت شَجَرَة وَقَدْ أَظَلَّتْ الشَّمْس مَا فَوْقه وَقَالَ أَيُّوب بْن مُوسَى فِي الْآيَة " قَبْضًا يَسِيرًا " قَلِيلًا قَلِيلًا .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا

وَقَوْله : " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل لِبَاسًا " أَيْ يَلْبَس الْوُجُود وَيَغْشَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى " " وَالنَّوْم سُبَاتًا " أَيْ قَاطِعًا لِلْحَرَكَةِ لِرَاحَةِ الْأَبْدَان فَإِنَّ الْأَعْضَاء وَالْجَوَارِح تَكِلّ مِنْ كَثْرَة الْحَرَكَة فِي الِانْتِشَار بِالنَّهَارِ فِي الْمَعَاش فَإِذَا جَاءَ اللَّيْل وَسَكَنَ سَكَنَتْ الْحَرَكَات فَاسْتَرَاحَتْ فَحَصَلَ النَّوْم الَّذِي فِيهِ رَاحَة الْبَدَن وَالرُّوح مَعًا " وَجَعَلَ النَّهَار نُشُورًا " أَيْ يَنْتَشِر النَّاس فِيهِ لِمَعَايِشِهِمْ وَمَكَاسِبهمْ وَأَسْبَابهمْ كَمَا
311@@@

الصفحة 310

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text