كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 11)

وَمَعْنَى هَذَا يَا حَسْرَتهمْ وَنَدَامَتهمْ يَوْم الْقِيَامَة إِذَا عَايَنُوا الْعَذَاب كَيْفَ كَذَّبُوا رُسُل اللَّه وَخَالَفُوا أَمْر اللَّه فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّار الدُّنْيَا الْمُكَذِّبُونَ مِنْهُمْ " مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " أَيْ يُكَذِّبُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَيَجْحَدُونَ مَا أُرْسِلَ بِهِ مِنْ الْحَقّ .
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ الْقُرُون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ " أَيْ أَلَمْ يَتَّعِظُوا بِمَنْ أَهْلَكَ اللَّه قَبْلهمْ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ كَيْفَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا كَرَّة وَلَا رَجْعَة وَلَمْ يَكُنْ الْأَمْر كَمَا زَعَمَ كَثِير مِنْ جَهَلَتهمْ وَفَجَرَتهمْ مِنْ قَوْلهمْ " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتنَا الدُّنْيَا نَمُوت وَنَحْيَا " وَهُمْ الْقَائِلُونَ بِالدَّوْرِ مِنْ الدُّهْرِيَّة وَهُمْ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ جَهْلًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا فِيهَا فَرَدَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ بَاطِلهمْ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ الْقُرُون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ " .
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ

وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَإِنْ كُلّ لَمَّا جَمِيع لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ " أَيْ وَإِنَّ جَمِيع الْأُمَم الْمَاضِيَة وَالْآتِيَة سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ يَوْم الْقِيَام بَيْن يَدَيْ اللَّه جَلَّ وَعَلَا فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا وَمَعْنَى هَذِهِ كَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا " وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ " وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي أَدَاء هَذَا الْحَرْف فَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ " وَإِنْ كُلّ لَمَا " بِالتَّخْفِيفِ فَعِنْده أَنَّ إِنْ لِلْإِثْبَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَ " لَمَّا " وَجَعَلَ إِنْ نَافِيَة وَلَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا تَقْدِيره وَمَا كُلّ إِلَّا جَمِيع لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِد وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .
وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ

يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَآيَة لَهُمْ " أَيْ دَلَالَة لَهُمْ عَلَى وُجُود الصَّانِع وَقُدْرَته التَّامَّة وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى " الْأَرْض الْمَيْتَة " أَيْ إِذَا كَانَتْ مَيْتَة هَامِدَة لَا شَيْء فِيهَا مِنْ النَّبَات فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا الْمَاء اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
360@@@

الصفحة 359