كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 11)

اللَّه تَعَالَى يَقُول يَا عِبَادِي كُلّكُمْ مُذْنِب إِلَّا مَنْ عَافَيْت فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِر لَكُمْ وَكُلّكُمْ فَقِير إِلَّا مَنْ أَغْنَيْت إِنِّي جَوَاد مَاجِد وَاجِد أَفْعَل مَا أَشَاء عَطَائِي كَلَام وَعَذَابِي كَلَام إِذَا أَرَدْت شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون " .
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

وَقَوْله تَعَالَى : " فَسُبْحَان الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " أَيْ تَنْزِيه وَتَقْدِيس وَتَبْرِئَة مِنْ السُّوء لِلْحَيِّ الْقَيُّوم الَّذِي بِيَدِهِ مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْأَمْر كُلّه وَلَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر وَإِلَيْهِ يَرْجِع الْعِبَاد يَوْم الْمَعَاد فَيُجَازِي كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ وَهُوَ الْعَادِل الْمُنْعِم الْمُتَفَضِّل .
وَمَعْنَى قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى " فَسُبْحَان الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء " كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء " وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك " فَالْمُلْك وَالْمَلَكُوت وَاحِد فِي الْمَعْنَى كَرَحْمَةٍ وَرَحَمُوت وَرَهْبَة وَرَهَبُوت وَجَبْر وَجَبَرُوت وَمِنْ النَّاس مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُلْك هُوَ عَالَم الْأَجْسَام وَالْمَلَكُوت هُوَ عَالَم الْأَرْوَاح وَالصَّحِيح الْأَوَّل وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرهمْ .
قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا شُرَيْح بْن النُّعْمَان حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر حَدَّثَنِي اِبْن عَمّ لِحُذَيْفَةَ عَنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قُمْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة فَقَرَأَ السَّبْع الطِّوَال فِي سَبْع رَكَعَات وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع قَالَ " سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ - ثُمَّ قَالَ - الْحَمْد لِلَّهِ ذِي الْمَلَكُوت وَالْجَبَرُوت وَالْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة " وَكَانَ رُكُوعه مِثْل قِيَامه وَسُجُوده مِثْل رُكُوعه فَانْصَرَفَ وَقَدْ كَادَتْ تَنْكَسِر رِجْلَايَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي حَمْزَة مَوْلَى الْأَنْصَار عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي عَبْس عَنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل وَكَانَ يَقُول " اللَّه أَكْبَر - ثَلَاثًا - ذِي الْمَلَكُوت وَالْجَبَرُوت وَالْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة " ثُمَّ اِسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ الْبَقَرَة ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعه نَحْوًا مِنْ قِيَامه وَكَانَ يَقُول فِي رُكُوعه " سُبْحَان رَبِّيَ الْعَظِيم " ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع فَكَانَ قِيَامه
388@@@

الصفحة 387

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text