كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 12)

كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَته وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْر فَعَلَتْهُ قِيلَ بَاعَتْ ضَفِيرَتهَا بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَلَفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّه تَعَالَى لَيَضْرِبَنهَا مِائَة جَلْدَة وَقِيلَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَة التَّامَّة وَالرَّحْمَة وَالشَّفَقَة وَالْإِحْسَان أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا وَهُوَ الشِّمْرَاخ فِيهِ مِائَة قَضِيب فَيَضْرِبهَا بِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة وَقَدْ بَرَّتْ يَمِينه وَخَرَجَ مِنْ حِنْثه وَوَفَّى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنْ الْفَرَج وَالْمَخْرَج لِمَنْ اِتَّقَى اللَّه تَعَالَى وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب " أَثْنَى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ " نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب " أَيْ رَجَّاع مُنِيب وَلِهَذَا قَالَ جَلَّ جَلَاله " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبه إِنَّ اللَّه بَالِغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْء قَدْرًا " وَاسْتَدَلَّ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى مَسَائِل فِي الْأَيْمَان وَغَيْرهَا وَقَدْ أَخَذُوهَا بِمُقْتَضَاهَا وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ

يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فَضَائِل عِبَاده الْمُرْسَلِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْعَابِدِينَ " وَاذْكُرْ عِبَادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار " يَعْنِي بِذَلِكَ الْعَمَل الصَّالِح وَالْعِلْم النَّافِع وَالْقُوَّة فِي الْعِبَادَة وَالْبَصِيرَة النَّافِذَة قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " أُولِي الْأَيْدِي " يَقُول أُولِي الْقُوَّة " وَالْأَبْصَار " يَقُول الْفِقْه فِي الدِّين وَقَالَ مُجَاهِد " أُولِي الْأَيْدِي" يَعْنِي الْقُوَّة فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَالْأَبْصَار يَعْنِي الْبَصَر فِي الْحَقّ وَقَالَ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ أُعْطُوا قُوَّة فِي الْعِبَادَة وَبَصَرًا فِي الدِّين .
إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)
إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ

وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّار " قَالَ مُجَاهِد أَيْ جَعَلْنَاهُمْ يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ هُمْ غَيْرهَا وَكَذَا قَالَ السُّدِّيّ ذِكْرُهُمْ لِلْآخِرَةِ وَعَمَلُهُمْ لَهَا وَقَالَ مَالِك بْن دِينَار نَزَعَ اللَّه تَعَالَى مِنْ قُلُوبهمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا وَأَخْلَصَهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَة
102@@@

الصفحة 101

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text