كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 12)

ا قَالَ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم : خَمْر جَارِيَة بَيْضَاء أَيْ لَوْنهَا مُشْرِق حَسَن بَهِيّ لَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا فِي مَنْظَرهَا الْبَشِع الرَّدِيء مِنْ حُمْرَة أَوْ سَوَاد أَوْ اِصْفِرَار أَوْ كُدُورَةٍ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُنَفِّر الطَّبْع السَّلِيم وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " لَذَّة لِلشَّارِبِينَ " أَيْ طَعْمهَا طَيِّب كَلَوْنِهَا وَطِيب الطَّعْم دَلِيل عَلَى طِيبِ الرِّيح بِخِلَافِ خَمْر الدُّنْيَا فِي جَمِيع ذَلِكَ .
بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46)
بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ

قَوْله تَعَالَى" يُطَاف عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِين بَيْضَاء لَذَّة لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْل وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ " كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآيَة الْأُخْرَى " يَطُوف عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيق وَكَأْس مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ " نَزَّهَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى خَمْر الْجَنَّة عَنْ الْآفَات الَّتِي فِي خَمْر الدُّنْيَا مِنْ صُدَاع الرَّأْس وَوَجَع الْبَطْن وَهُوَ الْغَوْل وَذَهَابهَا بِالْعَقْلِ جُمْلَة فَقَالَ تَعَالَى هَهُنَا " يُطَاف عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ " أَيْ بِخَمْرٍ مِنْ أَنْهَار جَارِيَة لَا يَخَافُونَ اِنْقِطَاعهَا وَلَا فَرَاغهَا قَالَ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم : خَمْر جَارِيَة بَيْضَاء أَيْ لَوْنهَا مُشْرِق حَسَن بَهِيّ لَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا فِي مَنْظَرِهَا الْبَشِع الرَّدِيء مِنْ حُمْرَة أَوْ سَوَاد أَوْ اِصْفِرَار أَوْ كُدُورَة إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُنَفِّر الطَّبْع السَّلِيم وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " لَذَّة لِلشَّارِبِينَ " أَيْ طَعْمُهَا طَيِّب كَلَوْنِهَا وَطِيب الطَّعْم دَلِيل عَلَى طِيب الرِّيح بِخِلَافِ خَمْر الدُّنْيَا فِي جَمِيع ذَلِكَ.
لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47)
لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ

وَقَوْله تَعَالَى " لَا فِيهَا غَوْل " يَعْنِي لَا تُؤْثِر فِيهِمْ غَوْلًا وَهُوَ وَجَع الْبَطْن قَالَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَابْن زَيْد كَمَا تَفْعَلهُ خَمْر الدُّنْيَا مِنْ الْقُولَنْج وَنَحْوه لِكَثْرَةِ مَائِيَّتهَا وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْغَوْلِ هَهُنَا صُدَاع الرَّأْس وَرُوِيَ هَكَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَالَ قَتَادَة هُوَ صُدَاع الرَّأْس وَوَجَع الْبَطْن وَعَنْهُ وَعَنْ السُّدِّيّ لَا تُغْتَال عُقُولهمْ كَمَا قَالَ الشَّاعِر :
فَمِنَّا زَالَتْ الْكَأْس تَغْتَالنَا ... وَتَذْهَب بِالْأَوَّلِ الْأَوَّل
وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر لَا مَكْرُوه فِيهَا وَلَا أَذًى وَالصَّحِيح قَوْل مُجَاهِد إِنَّهُ وَجَع الْبَطْن وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ " قَالَ مُجَاهِد لَا تُذْهِب عُقُولهمْ وَكَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَالْحَسَن وَعَطَاء بْن أَبِي مُسْلِم الْخُرَاسَانِيّ وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمْ وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْخَمْر أَرْبَع خِصَال السُّكْر وَالصُّدَاع وَالْقَيْء وَالْبَوْل فَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى خَمْر الْجَنَّة فَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَال .
18@@@

الصفحة 17

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text