كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 12)

الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْوَفَاة حِين طُعِنَ جَعَلَ الْأَمْر بَعْده شُورَى فِي سِتَّة نَفَر وَهُمْ عُثْمَان وَعَلِيّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسَعْد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَاجْتَمَعَ رَأْي الصَّحَابَة كُلّهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَى تَقْدِيم عُثْمَان عَلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ" وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " وَذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْق اللَّه الْأَقْرَب إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَب .
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ

أَيْ فِيهِمْ قُوَّة الِانْتِصَار مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ لَيْسُوا بِالْعَاجِزِينَ وَلَا الْأَذَلِّينَ بَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِقَام مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا إِذَا قَدَرُوا عَفَوْا كَمَا قَالَ يُوسُف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِإِخْوَتِهِ " لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ الْيَوْم يَغْفِر اللَّه لَكُمْ" مَعَ قُدْرَته عَلَى مُؤَاخَذَتهمْ وَمُقَابَلَتهمْ عَلَى صَنِيعهمْ إِلَيْهِ وَكَمَا عَفَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّفَر الثَّمَانِينَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ عَام الْحُدَيْبِيَة وَنَزَلُوا مِنْ جَبَل التَّنْعِيم فَلَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمْ مَنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ قُدْرَته عَلَى الِانْتِقَام وَكَذَلِكَ عَفْوه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غَوْرَث بْن الْحَارِث الَّذِي أَرَادَ الْفَتْك بِهِ حِين اِخْتَرَطَ سَيْفه وَهُوَ نَائِم فَاسْتَيْقَظَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي يَده مُصْلِتًا فَانْتَهَرَهُ فَوَضَعَهُ مِنْ يَده وَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّيْف فِي يَده وَدَعَا أَصْحَابه ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْره وَأَمْرِ هَذَا الرَّجُل وَعَفَا عَنْهُ وَكَذَلِكَ عَفَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَبِيد بْن الْأَعْصَم الَّذِي سَحَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَام وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْرِض لَهُ وَلَا عَاتَبَهُ مَعَ قُدْرَته عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ عَفْوه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرْأَة الْيَهُودِيَّة - وَهِيَ زَيْنَب أُخْت مَرْحَب الْيَهُودِيّ الْخَيْبَرِيّ الَّذِي قَتَلَهُ مَحْمُود بْن سَلَمَة - الَّتِي سَمَّتْ الذِّرَاع يَوْم خَيْبَر - فَأَخْبَرَهُ الذِّرَاع بِذَلِكَ - فَدَعَاهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ " قَالَتْ أَرَدْت إِنْ كُنْت نَبِيًّا لَمْ يَضُرّك وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا اِسْتَرَحْنَا مِنْك فَأَطْلَقَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَكِنْ لَمَّا مَاتَ مِنْهُ بِشْر بْن الْبَرَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَتَلَهَا بِهِ وَالْأَحَادِيث وَالْآثَار فِي هَذَا كَثِيرَة جِدًّا وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .
287@@@

الصفحة 286

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text