كتاب تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (اسم الجزء: 12)

تَفَاوُت النَّاس فِي ذَلِكَ وَهَذَا الْمَقَام شَبِيه بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " وَلِنَجْعَلهُ آيَة لِلنَّاسِ " أَيْ دَلَالَة لَهُمْ عَلَى قُدْرَته تَعَالَى وَتَقَدَّسَ حَيْثُ خَلَقَ الْخَلْق عَلَى أَرْبَعَة أَقْسَام فَآدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَخْلُوق مِنْ تُرَاب لَا مِنْ ذَكَر وَلَا أُنْثَى وَحَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام مَخْلُوقَة مِنْ ذَكَر بِلَا أُنْثَى وَسَائِر الْخَلْق سِوَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَر فَتَمَّتْ الدَّلَالَة بِخَلْقِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلِنَجْعَلهُ آيَة لِلنَّاسِ " فَهَذَا الْمَقَام فِي الْآبَاء وَالْمَقَام الْأَوَّل فِي الْأَبْنَاء وَكُلّ مِنْهُمَا أَرْبَعَة أَقْسَام فَسُبْحَان الْعَلِيم الْقَدِير .
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ

هَذِهِ مَقَامَات الْوَحْي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَنَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَارَة يَقْذِف فِي رَوْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَا يَتَمَارَى فِيهِ أَنَّهُ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ رُوح الْقُدُس نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوت حَتَّى تَسْتَكْمِل رِزْقهَا وَأَجَلهَا فَاتَّقُوا اللَّه وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب " .
وَقَوْله تَعَالَى" أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَاب " كَمَا كَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّهُ سَأَلَ الرُّؤْيَة بَعْد التَّكْلِيم فَحُجِبَ عَنْهَا وَفِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَابِرِ بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا" مَا كَلَّمَ اللَّه أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاء حِجَاب وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاك كِفَاحًا " كَذَا جَاءَ الْحَدِيث وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْم أُحُد وَلَكِنَّ هَذَا فِي عَالَم الْبَرْزَخ وَالْآيَة إِنَّمَا هِيَ فِي الدَّار الدُّنْيَا وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " أَوْ يُرْسِل رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء " كَمَا يَنْزِل جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَغَيْره مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام " إِنَّهُ عَلِيّ حَكِيم " فَهُوَ عَلِيّ عَلِيم خَبِير حَكِيم
295@@@

الصفحة 294

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text