كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (اسم الجزء: 1)

عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ خَوْفَ الْهَوَامِّ لِأَنَّ أَفْوَاهَ الْأَسْقِيَةِ تَقْصِدُهَا الْهَوَامُّ وَرُبَّمَا كَانَ فِي السِّقَاءِ مَا يُؤْذِيِهِ فَإِذَا جَعَلَ مِنْهُ فِي إِنَاءٍ رَآهُ وَسَلِمَ مِنْهُ وَقَالُوا فِي سَائِرٍ مَا ذَكَرْنَا نَحْوَ هَذَا مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ جَعَلَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ بَعْضَ أَصْحَابِنَا زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ نَهْيُ تَنَزُّهٍ وَتَقَذُّرٍ وَلَا أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ نَهْيُ تَنَزُّهٍ وَتَقَذُّرٍ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ نَهْيَ أَدَبٍ فَهَذَا مَا لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ يَجِبُ التَّنَزُّهُ عنه كما يجب التزه عَنِ النَّجَاسَةِ وَالْأَقْذَارِ فَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّجَاسَاتِ مُحَرَّمَاتِ الْعَيْنِ أَشَدَّ التَّحْرِيمِ لَا يَحِلُّ اسْتِبَاحَةُ أَكْلِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَمْ يَرُدَّهُ الْقَائِلُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَا حَكَيْنَا هَذَا عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ أَرَادُوا الوجه الذي عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ نَدْبٌ وَأَدَبٌ لِأَنَّ بَعْضَهُمِ احْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ لَا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ (الْآيَةَ) وَذَكَرَ أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنِ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَمْ يُحَرِّمْ مَا عَدَاهَا فَكَأَنَّهُ لَا حَرَامَ عِنْدِهِ عَلَى طَاعِمٍ إِلَّا مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَيَلْزَمُهُ عَلَى أَصْلِهِ هَذَا أَنْ يُحِلَّ أَكْلَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَهُوَ لَا يَقُولُ هَذَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا تُعْمَلُ الذَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي لُحُومِهَا وَلَا فِي جُلُودِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مُحَرَّمًا إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَكَانَتِ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ عِنْدَهُ حَلَالًا وَهُوَ لَا يَقُولُ هَذَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُحَرِّمَ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا وَيَسْتَحِلَّ الْخَمْرَ الْمُحَرَّمَةَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مُسْتَحِلَّ خَمْرِ الْعِنَبِ الْمُسْكِرِ كَافِرٌ رَادٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرَهُ فِي كِتَابِهِ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا اسْتُبِيحَ دَمُهُ

الصفحة 142

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text