كتاب تفسير المنار (اسم الجزء: 2)
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ مُحَمَّد رَشِيد رِضَا: كَتَبَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِاقْتِرَاحٍ مِنِّي، وَأَنَا الَّذِي وَضَعْتُ الْأَرْقَامَ لِلسُّورِ وَالْآيَاتِ فِي شَوَاهِدِ مَا كَتَبَهُ وَهَذَا نَصُّهُ: -
تُطْلَقُ الْأُمَّةُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْمِلَّةِ، أَيِ الْعَقَائِدُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٍ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (21: 92) بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ شَأْنِ جَمَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَكَمَا قَالَ فِي سُورَةِ ((الْمُؤْمِنُونَ)) : (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (23: 51، 52) رَجَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأُمَّةِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمِلَّةُ; أَيِ: الْعَقَائِدُ وَأُصُولُ الشَّرَائِعِ; أَيْ: أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَرُسُلَ اللهِ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَدِينٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ) (3: 19) وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْأُمَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ خَلَقَنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (7: 181) أَيْ: جَمَاعَةٌ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (3: 104) وَلَا تَكُونُ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَرْبِطُهُمْ رَابِطَةُ اجْتِمَاعٍ يُعْتَبَرُونَ بِهَا وَاحِدًا، وَتُسَوِّغُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمٌ وَاحِدٌ كَاسْمِ الْأُمَّةِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى السِّنِينَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) (11: 8) وَفِي قَوْلِهِ: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (12: 45) وَبِمَعْنَى الْإِمَامِ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ) (16: 120) وَبِمَعْنَى إِحْدَى الْأُمَمِ الْمَعْرُوفَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (3: 110) وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا خَصَّصَهُ الْعُرْفُ تَخْصِيصًا.
الصفحة 220