كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن

وقلب لينتفعوا بها فلما لم ينتفعوا بها فكأنها مفقودة ولذلك قال بعده (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) موبخا لهم على عدو لهم.
[مسألة]
وربما سألوا في قوله تعالى (وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) كيف يصح أن ينهاه عن ذلك مع وصفه لهم بالعبادة والخشية. وجوابنا انه صلّى اللّه عليه وسلم ربما كان يقدم الأكابر من العرب محبة منه لإيمانهم وتألفا لهم فأدبه اللّه تعالى بهذه الآية في المؤمنين لئلا يقدم غيرهم عليهم ولذلك قال تعالى بعده (وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) نبه بذلك على ان المقدم هو من يعلمه اللّه تعالى عابدا شاكرا ثمّ قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم (وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) فأمره بأن يحييهم ويعرفهم عظم منزلتهم.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ) كيف يصح أن يؤاخذ من عمل السوء ولا يعرفه. وجوابنا ان كل عامل السوء والمعصية يوصف بأنه عمله بجهالة وان كان عالما به والمراد بذلك أنه عمل ذلك على غير ما يقتضيه عقله فان الذي يوجبه العقل التحرز من ذلك؛ وعلى هذا الوجه يوصف كل من يقدم على المعاصي بأنه جاهل ولا يراد بذلك الاعتقاد الذي هو جهل فلذلك قال تعالى (ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (وَ لا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) ما فائدة ذلك واللّه عليم بكل شيء. وجوابنا انه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما سيحدث من الامور. لكن تستدل الملائكة متى

الصفحة 131