حكم به داود كان حقا في وقته وفهم سليمان نسخ ذلك فلا يدل على مناقضة في الكلام.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ) كيف يصح التسبيح من الجبال والطير وما معنى قوله بعد ذلك (وَ كُنَّا فاعِلِينَ) وقد أفهم ذلك بقوله (وَ سَخَّرْنا)؟
وجوابنا أن تسبيح الجبال هو ما يظهر من دلالتها على أنه تعالى منزه عمّا لا يجوز عليه كما ذكرنا في قوله جل وعز (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ) الى غير ذلك فلما سخر ذلك لداود على خلاف المعتاد فكان يتصرف فيه كما يريد جاز أن يقول (يُسَبِّحْنَ) بظهور أمر معجز فيها وفي الطير فهذا معنى الكلام وأما معنى قوله (وَ كُنَّا فاعِلِينَ) فهو إخبار عن طريقه جل وعز في فعل مثل ذلك فلذلك أتبعه بما أظهره عليه وعلى سليمان صلّى اللّه عليه وسلم من العجائب وبما أظهره على أيوب وسائر الأنبياء صلوات اللّه عليهم وبين تعالى بعد ما اقتصه من أخبارهم وما أظهره من العجائب فيهم عظم منزلتهم فقال تعالى (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَباً ورَهَباً وكانُوا لَنا خاشِعِينَ) فبعث بذلك على التمسك بمثل هذه الطريقة ولذلك قال تعالى بعده (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) فبعث بكل ما تقدم على إخلاص العبادة له ونبه على عظيم المجازاة في العبادة بقوله (كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) فبين أنه يجازي على سائر ما فعل ثمّ بين من بعد أشراط الساعة بقوله (وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) وبين كيف ينزل بهم أنواع الخيرات إذا عاينوا العذاب فأما قوله تعالى (إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) فالمراد به الاصنام والاوثان ولا يدخل في ذلك المسيح كما ظنه بعض من لا يعرف وذلك محكي عن بعض المتقدمين بيّن ذلك أنه قال