كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن

وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ) وبيّن بقوله (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) ان المقلد والمبطل في المحاجة مخطئ لانه يحاج فيما لا علم له به وبعث بذلك على النظر في الأدلة لأن هذا الناظر العالم هو الذي اذا حاج غيره يكون محاجا فيما له به علم.
وبيّن ان أولى الناس بابراهيم من اتبعه ونبينا صلّى اللّه عليه وسلم لأنه على ملته في الحج وغيره وأنما وصف ابراهيم بأنه كان حنيفا مسلما لأنه كان على هذه الملة وان كان في شريعة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم زيادات وتفصيلات وفي قوله بعد ذلك (وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) دلالة على ان اللّه تعالى لا يضل عباده ولا يخلق الضلال والكفر فيهم لانه لو كان كذلك لما نسب الاضلال الى أهل الكتاب ولما نسب اضلالهم الى أنفسهم.
[مسألة]
ويقال كيف قال تعالى (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) ثمّ قال (وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) كيف يكونون كفارا بما يشهدون. وجوابنا أن المراد انهم يكفرون بالآيات وهم يعرفونها ويشاهدونها فينصرفون عن النظر فيها ويتبعون الشبهة والتقليد ولذلك قال بعده (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ) ولا يمتنع انه كان فيهم من يعرف الحق في نبوّة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ويعاند فقد كان فيهم من علم البشارة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في الكتب وكانوا يلبسون ذلك على العامة ثمّ ذكر بعده (إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) يعني الالطاف وانه يخص بذلك من يشاء فمن المعلوم أنه عند ذلك يختار الايمان. ثمّ بين تعالى بقوله (وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ان ليهم ألسنتهم بذلك من فعلهم لا من خلق اللّه فيهم ولو كان من حق من ينسب ذلك اليه هو اللّه تعالى لوجب أن يقال هو من عند اللّه ولما صح أن يقول تعالى (وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) ونزّه تعالى عيسى عن قول النصارى لقوله (وَ ما كانَ لِبَشَرٍ)

الصفحة 69