كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن

كثيرا. وجوابنا أن المراد بالكراهة في هذا الموضع نفار الطبع لا الكراهة التي هي في مقابلة الارادة فذكر اللّه تعالى ذلك في كراهة النساء بأن يكون نافر الطبع عن عشرتها وبيّن إن ذلك إذا صبر عليه ربما حصل الخير الكثير في عاقبته لأن المرء قد يكره بعض النساء في وقت ثمّ يتفق فيما بعد أن يعظم محبته لهن وانتفاعه بهن فلا ينبغي لمن تزوج أن يقدم على ما يقتضيه نفار طبعه بل يتوقف ويتبصر لجواز تغير الحال عليه وعليهن فهذا هو المقصد واللّه أعلم. ويحتمل وعسى أن تكرهوا فراقهن ويكون في ذلك خير كثير على نحو قوله تعالى (وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) ولذلك قال تعالى (وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ) وبيّن أن ما يؤتيهن من الصداق لا يحل له أن يأخذ منه شيئا.
[مسألة]
وربما قيل ما معنى قوله (وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وإِثْماً مُبِيناً) كيف يكون أخذه ما أعطاهن من الصداق بهتانا والبهتان من صفات الكلام فهو الكذب وجوابنا انه شبهه بالكذب من حيث كان أخذه كالنقض للعطية والخلف لها فعظمه اللّه تعالى بأن شبهه بالكذب الذي مخبره على خلاف ما هو به من حيث كان كالمتكفل بالعقد والدفع اليها بأن لا يأخذ ذلك فاما كونه إثما مبينا فبين، لان وصفه وتجليه وظهوره مبين.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) كيف استثنى ما سلف من هذا النهي ومثل ذلك يستحيل لأنّ ما سلف لا يصح أن يباح ويحظر. وجوابنا ان النهي يتضمن التحريم واذا كان محرما بالشرع في المستقبل وما سلف جرى على حد الاباحة لم يمتنع ذلك فكانه قال ما نكح آباؤكم من النساء حرام عليكم

الصفحة 90