كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 1)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِنْكَارَهُمْ هَذَا إِنَّمَا هُوَ جُحود وَعِنَادٌ وَتَعَنُّتٌ فِي كُفْرِهِمْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي أَشْعَارِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (¬1) تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَنِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ أُنْشِدَ لِبَعْضِ الْجَاهِلِيَّةِ الجُهَّال (¬2) أَلَا ضَرَبَتْ تِلْكَ الفتاةُ هَجِينَها ... أَلَا قَضَبَ الرحمنُ رَبى يَمِينَهَا (¬3)
وَقَالَ سَلَامَةُ بن جندب الطُّهَوِيُّ:
عَجِلتم عَلَيْنَا عَجْلَتينَا عليكُمُ ... وَمَا يَشَأ الرّحْمَن يَعْقِد ويُطْلِقِ (¬4)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الرَّحْمَنُ: الْفِعْلَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الْفَاتِحَةِ: 3] الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ بِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَالْبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَنِّفَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدة، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ (¬5) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ [بْنُ] (¬6) يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَنْتَحِلُوهُ، تَسَمَّى بِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (¬7) .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَطِّعُ قُرْآنَهُ حَرْفًا حَرْفًا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (¬8) ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ كَذَلِكَ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهَا بِقَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَكُسِرَتِ الْمِيمُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَصِلَةِ الْهَمْزَةِ فَيَقُولُونَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَنَقَلُوا حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى الْمِيمِ بَعْدَ تَسْكِينِهَا كَمَا قُرِئَ (¬9) قَوْلُهُ تَعَالَى: {الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَمْ تَرِدْ بِهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَلِمْتُ (¬10) .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } .
الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ عَلَى ضَمِّ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِ: {الحمدُ لِله} وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَرُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ أَنَّهُمَا قَالَا "الحمدَ لِله" بِالنَّصْبِ وَهُوَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، وَقَرَأَ ابْنُ أبي
¬__________
(¬1) في جـ، ط، ب: "في أشعار الجاهلية".
(¬2) في جـ، ط: "الجهلاء".
(¬3) البيت في تفسير الطبري (1/131) غير منسوب.
(¬4) البيت في تفسير الطبري (1/131) .
(¬5) تفسير الطبري (1/134) .
(¬6) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(¬7) تفسير ابن أبي حاتم (1/13) .
(¬8) رواه أحمد في المسند (6/302) وأبو داود في السنن برقم (4001) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، رضي الله عنها، وصححه ابن خزيمة والدارقطني.
(¬9) في أ: "فسر".
(¬10) المحرر الوجيز (1/59، 60) .

الصفحة 127