كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 1)

حَوْلَهَا وَبَيْنَهُنَّ الذِّئَابُ لَا يَنْفِرْنَ مِنْهُ، وَلَا يَسْطُو الذِّئَابُ عَلَيْهِنَّ. فَلَمَّا سَلَّمَتْ قَالَتْ: يَا ابْنَ زَيْدٍ، لَيْسَ الْمَوْعِدُ هُنَا إِنَّمَا الْمَوْعِدُ ثَمّ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ شَأْنِ الذِّئَابِ وَالْغَنَمِ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَصْلَحْتُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَيِّدِي فَأَصْلَحَ مَا بَيْنَ الذِّئَابِ وَالْغَنَمِ. فَقُلْتُ لَهَا: عِظِينِي. فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا مِنْ وَاعِظٍ يُوعَظُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا ابْنَ زَيْدٍ، إِنَّكَ لَوْ وَضَعْتَ مَوَازِينَ الْقِسْطِ عَلَى جَوَارِحِكَ لِخَبَرْتُكَ بِمَكْتُومِ مَكْنُونِ مَا فِيهَا، يَا ابْنَ زَيْدٍ، إِنَّهُ بَلَغَنِي مَا مِنْ عَبْدٍ أَعْطَى مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا فَابْتَغَى إِلَيْهِ تَائِبًا إِلَّا سَلَبَهُ اللَّهُ حُبَّ الْخَلْوَةِ وَبَدَّلَهُ بَعْدَ الْقُرْبِ الْبُعْدَ وَبَعْدَ الْأُنْسِ الْوَحْشَةَ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
يَا وَاعِظًا قَامَ لا حساب ... يزجر قوما عن الذنوب ...
تنه عنه وَأَنْتَ السَّقِيمُ حَقًّا ... هَذَا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَجِيبِ ...
تنه عَنِ الْغَيِّ وَالتَّمَادِي ... وَأَنْتَ فِي النَّهْيِ كَالْمُرِيبِ ...
لَوْ كُنْتَ أَصْلَحْتَ قَبْلَ هَذَا ... غَيَّكَ أَوْ تُبْتَ مِنْ قَرِيبٍ ...
كَانَ لِمَا قُلْتَ يَا حَبِيبِي ... مَوْضِعُ صِدْقٍ مِنَ الْقُلُوبِ (1)
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) }
يَقُولُ تَعَالَى (2) آمِرًا عَبِيدَهُ، فِيمَا يُؤَمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالصَّلَاةِ.
فَأَمَّا الصَّبْرُ فَقِيلَ: إِنَّهُ الصِّيَامُ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ.
[قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلِهَذَا سُمِّيَ رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ] (3) .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جُرَيّ بْنِ كُليب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ".
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي؛ وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَأَعْلَاهَا: فِعْلُ الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَنْ محارم الله.
__________
(1) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (15/253) .
(2) في جـ: "تعالى مخبرا".
(3) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

الصفحة 251