كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 1)
وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ اللَّهَ نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَاعِنَا؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ كَرِهَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَهَا لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَظِيرَ الذِي ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: الحَبَلَة. وَلَا تَقُولُوا: عَبْدِي، وَلَكِنْ قُولُوا: فَتَايَ". وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يُبَيِّنُ بِذَلِكَ تَعَالَى شِدَّةَ عَدَاوَةِ (1) الْكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَذَّرَ تَعَالَى مِنْ مُشَابِهَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِيَقْطَعَ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ. وينبِّه تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشَّرْعِ التَّامِّ الْكَامِلِ، الذِي شَرَعَهُ لَنَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
__________
(1) في أ: "شدة عداوته".
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) }
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} مَا نُبَدِّلُ مِنْ آيَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج، عَنْ مُجَاهِدٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} أَيْ: مَا نَمْحُ مِنْ آيَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} قَالَ: نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا. حَدَّث بِهِ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} مَا نُنْسِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَمَّا {مَا نَنْسَخْ} فَمَا نَتْرُكُ (1) مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي: تُرِكَ فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} نَسْخُهَا: قَبْضُهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي: قَبْضُهَا: رَفْعُهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ. وَقَوْلُهُ: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا".
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} مَا يُنْقَلُ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ إِلَى غَيْرِهِ فَنُبَدِّلُهُ وَنُغَيِّرُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يُحوَّل الحلالُ حَرَامًا وَالْحَرَامُ حَلَالًا وَالْمُبَاحُ مَحْظُورًا، وَالْمَحْظُورُ مُبَاحًا. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِطْلَاقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ. فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ. وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ، وَهُوَ نَقْلُهُ مِنْ نُسْخَةٍ أُخْرَى إِلَى غَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ،
__________
(1) في أ: "فما ترك".
الصفحة 375