كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 1)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ فَأَصَابَنَا غَيْمٌ، فَتَحَيَّرْنَا فَاخْتَلَفْنَا فِي الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى كُلٌّ (1) مِنَّا عَلَى حِدَةِ، وَجَعَلَ أَحَدُنَا يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَنَعْلَمَ أَمْكِنَتَنَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَ: "قَدْ أَجَزَّأَتْ صَلَاتُكُمْ".
ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا قَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ (2) .
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سرِيَّة فَأَخَذَتْهُمْ ضَبَابَةٌ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْقِبْلَةِ، فَصَلَّوْا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُمْ بَعْدَ طُلُوعِ (3) الشَّمْسِ أَنَّهُمْ صلوا لغير القبلة. فلما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثُوه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}
وَهَذِهِ الْأَسَانِيدُ فِيهَا ضَعْفٌ، وَلَعَلَّهُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَأَمَّا إِعَادَةُ الصَّلَاةِ لِمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهَذِهِ دَلَائِلُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سَبَبِ النَّجَاشِيِّ، كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُعَاذٍ (4) حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنْ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ". قَالُوا: نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 199] قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالُوا: فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (5) .
وَهَذَا غَرِيبٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ النَّاسِخَ إِلَى الْكَعْبَةِ، كَمَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِذَلِكَ مِنْ ذَهَبَ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ، قَالَ: وَهَذَا خَاصٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، شَاهَدَهُ حِينَ صَلَّى عَلَيْهِ طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَّى عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَلِكٌ مُسْلِمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى دِينِهِ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ هَذَا لَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَرْعِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ. وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَالتَّأْلِيفِ لِبَقِيَّةِ الْمُلُوكِ، وَاللَّهُ أعلم.
__________
(1) في جـ، ط، ب، أ، و: "كل رجل".
(2) سنن الدارقطني (1/271) ورواه الحاكم في المستدرك (1/206) من طريق داود بن عمرو به، وقال: "هذا حديث صحيح رواته كلهم ثقات غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". قال الذهبي: قلت: "هو أبو سهل واه".
(3) في جـ، ط، ب، أ، و: "بعدما طلعت".
(4) في جـ، ط، ب، أ: "معاذ بن هشام".
(5) تفسير الطبري (2/532) .

الصفحة 394