كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 1)

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الجهادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، غَزَا أَوْ قَعَدَ؛ فَالْقَاعِدُ عَلَيْهِ إذَا اسْتُعِينَ أَنْ يَعينَ، وَإِذَا استُغيثَ أَنْ يُغيثَ، وَإِذَا استُنْفرَ أَنْ يَنْفِرَ، وَإِنْ لَمْ يُحتَجْ إِلَيْهِ قَعَدَ.
قُلْتُ: وَلِهَذَا ثَبَت فِي الصَّحِيحِ (1) "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (2) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ ونيَّة، إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (3) .
وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أَيْ: شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ وَمَشَقَّةٌ. وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يجرحَ مَعَ (4) مَشَقَّةِ السَّفَرِ ومجالدَة الْأَعْدَاءِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أَيْ: لِأَنَّ القتالَ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وذرَاريهم، وَأَوْلَادِهِمْ.
{وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، قَدْ يُحِبّ المرءُ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ القُعُود عَنِ الْقِتَالِ، قَدْ يَعْقُبُه اسْتِيلَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى الْبِلَادِ وَالْحُكْمِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أَيْ: هُوَ أَعْلَمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ مِنْكُمْ، وأخبَرُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ؛ فَاسْتَجِيبُوا لَهُ، وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ، لَعَلَّكُمْ تَرْشُدُونَ.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) }
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي الحَضْرَمي، عَنْ أَبِي السَّوار، عَنْ جُنْدَب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَهْطًا، وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاح [أَوْ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ] (5) فَلَمَّا ذَهَبَ يَنْطَلِقُ، بَكَى صَبَابة (6) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَس، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ ألا يقرأ
__________
(1) في أ: "في الصحيحين".
(2) صحيح مسلم برقم (1910) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (1834، 2783، 2825) ومسلم في صحيحه برقم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) في أ: "على".
(5) زيادة من طـ، أ، و.
(6) في جـ: "بكى صبيانه".

الصفحة 573