كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 4)

وَجَلَّ: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ}
وَقَوْلُهُ: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ [عِنْدَ رَبِّهِمْ] } (1) يَقُولُ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} يَقُولُ: أَجْرًا حَسَنًا، بِمَا قَدَّمُوا. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الْكَهْفِ: 2، 3]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قَالَ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ صَلَاتُهُمْ وَصَوْمُهُمْ وَصَدَقَتُهُمْ وَتَسْبِيحُهُمْ.
[وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ قَتَادَةَ أَوِ الْحَسَنِ {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ] } (2) قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفِيعٌ لَهُمْ. وَكَذَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: سَلفُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ مُجَاهِدٍ -أَنَّهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي قَدَّمُوهَا -قَالَ: كَمَا يُقَالُ: "لَهُ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ" وَمِنْهُ قَوْلُ [حَسَّانَ] (3) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
لَنَا القَدَمُ (4) العُليا إِلَيْكَ وخَلْفُنا لأوَّلِنا فِي طاعَة اللهِ تَابعُ ...
وَقَوْلُ ذِي الرُّمة:
لكُم قَدَمٌ لَا يُنْكرُ الناسُ أَنَّهَا ... مَعَ الحسَبِ العَادِيّ طَمَّت عَلَى البَحْرِ (5)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} (6) أَيْ: مَعَ أَنَّا بَعَثْنَا إِلَيْهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، رَجُلًا مِنْ جِنْسِهِمْ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا، {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} (7) أَيْ: ظَاهِرٌ، وَهُمُ الْكَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ.
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (3) }
يُخْبِرُ تَعَالَى أنه رب العالم جميعه، وَأَنَّهُ خَلَق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ -قِيلَ: كَهَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقِيلَ: كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (8) ثم استوى
__________
(1) زيادة من ت، أ.
(2) زيادة من ت.
(3) زيادة من ت، أ.
(4) في ت: "قدم".
(5) تفسير الطبري (15/16) .
(6) في ت: "لسحر".
(7) في ت: "لسحر".
(8) زيادة من أ.

الصفحة 246