كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 4)

صِحَّةِ مَا جِئْتُكُمْ مِنَ الدِّينِ الْحَنِيفِ، الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَهَا أَنَا لَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ كَمَا أَحْيَاكُمْ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ؛ فَإِنْ كَانَتْ آلِهَتُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (1) حَقًّا، فَأَنَا لَا أَعْبُدُهَا (2) فَادْعُوهَا فَلْتَضُرَّنِي، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَإِنَّمَا الَّذِي بِيَدِهِ الضر والنفع هو الله وحده لا شريك لَهُ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أَيْ: أَخْلِصِ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ حَنِيفًا، أَيْ: مُنْحَرِفًا عَنِ الشِّرْكِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} إِلَى آخِرِهَا، بَيَانٌ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا يُشَارِكُهُ (3) فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ.
رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عِيسَى بْنِ مُوسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحِمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَاسْأَلُوهُ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ" (4)
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عِيسَى بْنِ مُوسَى، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا؛ بِمِثْلِهِ سَوَاءٌ (5)
وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أَيْ: لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، حَتَّى مِنَ الشِّرْكِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109) }
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عند
__________
(1) في أ: "من دون الله من شيء حقا".
(2) في ت: "أعبد".
(3) في ت، "لا يشركه".
(4) تاريخ دمشق (8/328) "المخطوط") ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (1121) من طريق عبد الله بن وهب به، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (5/339) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (1122) من طريق عمرو بن الربيع بن طاق عن يحيى بن أيوب به نحوه ورمز له السيوطي بالضعف في الجامع.
(5) تاريخ دمشق (8/328 "المخطوط") ورواه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة برقم (27) من طريق رويم بن يزيد عن الليث به مرفوعا، ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (1123) من طريق يحيى بن بكير عن الليث به مرفوعا. وقال البيهقي: "هذا هو المحفوظ دون الأول" والأول حديث أنس.

الصفحة 300