كتاب تفسير ابن كثير ت سلامة (اسم الجزء: 6)

شَيْءٌ مِمَّا تَحْذَرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، هُوَ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ هَاهُنَا بِكُمْ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
وَكَانَ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، [وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي السَّاقَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهُمْ وَقَفُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ، وَجَعَلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ] (1) ، أَوْ مُؤْمِنُ آلَ فِرْعَوْنَ يَقُولُ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَسِيرَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَاقْتَرَبَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ، فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: انْفَلِقْ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا (2) مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ [بْنِ مُحَمَّدِ] (3) بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ قَالَ: يَا مَنْ كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْكَائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، اجْعَلْ لَنَا مَخْرَجًا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} .
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَوْحَى اللَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَى الْبَحْرِ: أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ، فَبَاتَ الْبَحْرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَهُ اضْطِرَابٌ (4) ، وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَانِبٍ يَضْرِبُهُ مُوسَى، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ مُوسَى قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ. قَالَ: فَاضْرِبْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَوْحَى اللَّهُ -فِيمَا ذُكِرَ لِي -إِلَى الْبَحْرِ: أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَلِقْ لَهُ. قَالَ: فَبَاتَ الْبَحْرُ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَرَقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَانْتِظَارًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} ، فَضَرَبَهُ بِهَا وَفِيهَا، (5) سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ، فَانْفَلَقَ.
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَنَّاهُ فَقَالَ: انْفَلِقْ عَلَيَّ أَبَا خَالِدٍ بِحَوْلِ اللَّهِ (6) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} أَيْ: كَالْجَبَلِ الْكَبِيرِ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هُوَ الفَجّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَارَ الْبَحْرُ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ -وَزَادَ السُّدِّيُّ: وَصَارَ فِيهِ طَاقَاتٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَامَ الْمَاءُ عَلَى حَيْلِهِ كَالْحِيطَانِ، وَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ إِلَى قَعْرِ الْبَحْرِ فَلَفْحَتْهُ، فَصَارَ يَبَسا (7) كَوَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى} [طه:77] .
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: {وَأَزْلَفْنَا} أَيْ: هُنَالِكَ (8) {الْآخَرِينَ} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: {وأزلفنا} أي: قربنا فرعون وجنوده
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "عن".
(3) زيادة من الجرح والتعديل (3/2/236) والدر المنثور (5/86) .
(4) في أ: "اتكل".
(5) في أ: "ففيها".
(6) في ف، أ: "بإذن الله".
(7) في أ: "يابسا".
(8) في ف: "هناك".

الصفحة 144