كتاب الطيوريات (اسم الجزء: 1)

قالوا: حدثنا عبد الله بْنُ مُحَمَّدٍ البَغَويّ قَالا: حَدَّثَنَا عبد الأعلى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسيّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنِ سَلَمة، عَنْ أَبِي العُشَرَاء، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((قلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ، أَمَا تكونُ الذَّكاةُ إِلا فِي الحَلْق
أَوِ اللَّبَّة (¬1) ؟ فَقَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِها لأَجْزَأَك)) (¬2)
¬_________
(¬1) اللَّبّة هي: موضع النحر، وجمعها اللَّبّات.
انظر الفائق (2/385) ، والنهاية (4/222-223) ، وغريب الحديث لابن الجوزي (2/310) .
(¬2) إسناده ضعيف من أجل أبي العشراء الدارمي وأبيه؛ فإنهما مجهولان.

قال الميموني: سألت أحمد عن حديث أبي العشراء في الذكاة، قال: "هذا عندي غلط، ولا يعجبني، ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة"، قال: "ما أعرف أنه يروى عن أبي العشراء حديث غير هذا". التهذيب (12/167) .
وقال البخاري: "في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر".
وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، سألت محمدًا عن حديث أبي العشراء، عن أبيه فقلت: أعلمت أحداً روى هذا الحديث غير حماد بن سلمة؟ قال: لا، قلت له: تعرف لأبي العشراء أشياء غير هذا؟ قال: لا".
وقال ابن عبد البر: "وأبو العشراء لا أعرف له ولا لأبيه غير حديث ذكاة الضرورة، قوله: إذا لم يوصل إلى الحلقة واللبة: "لو طعنت في فخذها أجزأك"، ولم يروِ عن أبي العشراء ـ فيما علمت ـ غير حماد بن سلمة". الاستيعاب
(8/1358) .
وقال الخطابي: "وضعفوا هذا الحديث؛ لأن رواته مجهولون، وأبو العشراء لا يدرى من أبوه، ولم يروِ عنه غير حماد
ابن سلمة". معالم السنن (4/117) .
قلت: وقد ذهب إلى تصحيح الحديث الحافظ بن كثير في "التفسير" (2/12 ـ دار الفكر ـ) حيث قال: "هو حديث صحيح، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة".
وكذا صححه ابن السكن حيث أخرجه في صحيحه كما ذكره ابن الملقن في "الخلاصة" (2/371/ح2637) .
وقال يزيد بن هارون ـ كما نقله عنه القرطبي في التفسير (6/55 ـ دار الشعب ـ) : "هو حديث صحيح أعجب أحمد بن حنبل، ورواه عن أبي داود، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه".
قلت: والمشهور عن الإمام أحمد أنه روى عن أبي داود حديث ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْعَتِيرَةِ فَحَسَّنَهَا)) ، وقد سبق تخريجه في الرواية رقم (135) فراجعه هنالك.
ولعل تصحيح يزيد بن هارون وابن كثير له نظراً إلى كون الحديث مشهوراً عن حماد بن سلمة، إذ روى عنه جماعة كثيرون كما يأتي.
قال الترمذي ـ في بيان اصطلاح "غريب" في كتابه ـ: "وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث غريب" فإن أهل الحديث يستغربون الحديث، ربَّ حديث يكون غريباً لا يروى إلا من وجه واحد مثل ما حدث حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ
أَبِي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهوراً عند أهل العلم، وإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، لا يعرف إلا من حديثه، فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه". اهـ.
قلت: وقد روى عن حماد بن سلمة جمع غفير من أصحابه يبلغون أربعين نفساً منهم:
- ... وكيع بن الجراح الرؤاسي، أخرج حديثه ابن أبي شيبة (4/256 ـ الحوت ـ) ، وأحمد (4/334) ، والترمذي
(4/62/ح1481) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة، وابن ماجه (2/1063/ح3184) كتاب الذبائح، باب ذكاة النادّ من البهائم، وتمام في "حديث أبي العشراء الدارمي" (ص27/ح17) .
- ... وأحمد بن يونس، أخرج حديثه أبو داود (3/250-251/2825) كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذبيحة المتردية، وابن قانع في "معجم الصحابة" (3/52) عن حماد بِهِ.
- ... عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النرسي، أخرج حديثه أبو يعلى في "مسنده" (4/72-73) ، وفي "المفاريد" (ص31/ح16) ، وابن حبان في "الثقات" (3/3) ، و (5/55) ، والخليلي في "الإرشاد" (2/507) ، وتمام في "حديث أبي العشراء الدارمي" (20-23/ح4، 5، 6، 8، 9) ، والمصنف في الرواية رقم (144، 145) .
- ... عفان بن مسلم، أخرج حديثه أحمد (4/334) ، والدارمي (2/113) ، وتمام في المصدر السابق (28/ح18) .
- ... عبد الرحمن بن مهدي، أخرج حديثه النسائي في "السنن الكبرى" (3/63) ، وفي "المجتبى" (7/261/ح4420) كتاب الضحايا، باب ذكر المتردية التي لا يوصل إلى حلقها، وابن الجارود في "المنتقى" (2/227) ، وابن حزم في "المحلى" (7/449) .
وغيرهم كثير، وفيما ذكرت من حديثهم كفاية عن الإطالة، فهؤلاء كلهم رووا عن حماد بن سلمة، ولم يحفظ عن غيره، وهناك ثلاثة طرق ضعيفة يروى بها هذا الحديث من غير طريق حماد بن سلمة:
- ... أولها: ما أخرجه تمام في "حديث أبي العشراء الدارمي" (32-33/ح29) بإسناده عن طلحة بن زيد الرقي، عن عبد الله بن محرَّر، عَنْ أَبِي الْعَشْرَاءِ، عَنْ جَدِّهِ نحوه.
قلت: إسناده ضعيف جدًّا، طلحة بن زيد الرقي ـ وهو الذي يقال له: طلحة بن زيد الشامي ـ أصله من دمشق، منكر الحديث.
انظر التاريخ الكبير (4/351) ، والمجروحين (1/383) .
وعبد الله بن محرر العامري الجزري، قال عنه أحمد: "ترك الناس حديثه".
انظر المجروحين (2/22) ، والميزان (2/500) .
قلت: ومع ذلك فقد خالف حماد بن سلمة في هذا الإسناد، فقال: "عن جده"، بدل "عن أبيه".
والثاني: ما أخرجه تمام في المصدر السابق (32/ح27، 28) ، والمصنف في الرواية رقم (136) من طريق حميد ابن نعيم، عن الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ زِيَادٍ الجصاص، عن أبي العشراء به، ووقع في رواية المصنف: "عن جده".
وهذا الإسناد إسناد مظلم، فيه:
- ... زياد بن أبي زياد الجصاص، مجمع على ضعفه.
- ... والمسيب بن شريك مجمع على ترك حديثه، ومع ذلك فقد خالفه عبد السلام بن سليمان الواسطي، وأمة العزيز بنت محمد فقالا: "عن أبيه".
- ... وأما نعيم بن حميد فلم يذكر بجرح ولا تعديل.
انظر مصادر ترجمتهم في الرواية رقم (136) .
والثالث: ما أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (5/530) عن عبد العزيز بن الحسين بن بكر بن الشرود، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس به.
وإسناده ضعيف، فيه بكر بن الشرود، والمحفوظ أنه من حديث أبي العشراء الدارمي.
قال الهيثمي: "فيه بكر بن الشرود، وهو ضعيف". مجمع الزوائد (4/34) .
فائدة: وقع عند المصنف في الرواية رقم (144، و145) عن حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: "وَوَجَدْتُ فِي كِتَابٍ عِنْدِي آخَرَ ((لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا وَقُلْتُ: "بِسْمِ اللَّهِ" لأجزأ عنك)) .
قلت: هذه زيادة شاذة، تفرد بها حفص بن عمر.

الصفحة 203