كتاب الواضح في أصول الفقه (اسم الجزء: 2)

فصل
في جَمْعِ الأجوبةِ عَن الأسئلةِ على هذهِ الآيةِ
أما قولُهم: إنَها لا تعطي صيغةَ الأمر، فإنَ قولَه: {أَنِّي أَذْبَحُكَ} ذَكرَهُ بلفظِ المستقبلِ، لأنً الفعلَ مستقبل الأمرِ، ولَو لم يكنْ قد قدم على ذِكْرِ الذَبحِ أمْر اللهِ لة بالذبحِ، لَما قالَ الابنُ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}، فإنَ رؤيةَ الفعلِ لا تعطي الأمرَ. وقولُه: {مَا تُؤْمَرُ}، ولم يقلْ: ما أمِرْتَ، قد يَجيء الماضي، قال الله سُبحانه: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان: ٤١] والمراد به، اتخذوكَ هُزواً، وقالَ الشاعر (١):
وإذَا تكون كريهةٌ أُدْعى لها ... وإذَا يُحاس الحَيْسُ يُدعى جُندَب
والمرادُ به: إذا كانت كريهة [دُعيت]، وإذا حاسَ الحيسُ دُعيَ جُندَبُ.
ويجوزُ أن يكونَ ذَكَرَهُ بلفظِ المستقبلِ بمعنى: افعلْ بما يُستدامُ من الأمرِ، فإن استدامَ ما أمِرتَ بهِ، فافعَلْ، كأنه قولُ مُترجّ من لطفِ الله أنه لا يُسْتَدام الأمر، فعَطَفَ على الدوامِ بالذِّكْرِ، وجَعَلَة شرطاً
---------------
(١) اختلف في قائل هذا البيت، فقيلَ: هُني بن أحمر الكناني، وقيلَ: لزرافة الباهلي، وقيل: لصخرة بن ضمرة النهشلي.
انظر: "ذيل الأمالي" (٣/ ٨٥)، و"حماسة البحتري" (ص ١٠٩) و"شرح أبياتِ مغني اللبيب" (٧/ ٢٥٧). و "خزانة الأدب" (٢/ ٣٨).
والحيسُ: هو التمر يخلطُ بسمنٍ وأقطٍ، فيعجن شديداً، ثم يندر منه نواه.
وأصل الحيس، هو الخلط.

الصفحة 463