كتاب وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين
قَاتِلُ عليّ ـ رضي الله عنه ـ الأشقى!
مرض أمير المؤمنين عليّ ـ رضي الله عنه ـ ذات يوم، فجاءه أبو سنان الدّؤلي يعوده وقد تخوّف عليه، لكنّ الخليفة لم يتخوّف على نفسه؛ لأنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبره بأنّه سيقتل مظلوماً، وأنّ قاتله أشقى النّاس، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن أسلم، أنّ أبا سنان الدّؤلي حدّثه، أنّه عاد عليّاً ـ رضي الله عنه ـ في شكوى له أشكاها، قال:
" فقلتُ له: لقد تخوّفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال: لكنّي والله ما تخوّفتُ على نفسي منه، لأنّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصّادق المصدوق، يقول: إنّك ستُضْربُ ضربة ها هنا، وضربة ها هنا ـ وأشار إلى صدغيه (¬١) ـ فيسيل دمها حتّى تختضب لحيتُك، ويكون صاحبها أشقاها، كما كان عاقر النّاقة أشقى ثمود " (¬٢).
وأخرج أحمد بسند صحيح عن زيد بن وهب، قال: " قدم عليٌّ على قوم من أهل البصرة من الخوارج، فيهم رجلٌ يُقالُ له الجَعْد بن بَعْجَة، فقال له: اتّق الله يا عليّ، فإنّكَ ميّت، فقال عليٌّ: بل مقْتُولٌ، ضربةٌ على هذا تَخْضِبُ هذه (¬٣) عَهدٌ معهود، وقضاء مَقْضيّ، وقد خاب من افترى، وعاتبه في لباسه، فقال: ما لكم وللّباس؟ هو أبعدُ من الكِبْر، وأجْدر أن يَقْتدي بي المسلم " (¬٤).
ولمّا ضرب ابن ملجم عليّاً الضّربة بالكوفة سنة أربعين، قال عليّ: " افعلوا به كما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل برجل أراد قتله، فقال: اقتلوه ثمّ حَرِّقُوه " (¬٥).
---------------
(¬١) الصّدغ: ما بين العين إلى شحمة الأذن.
(¬٢) الحاكم " المستدرك " (ج ٣/ص ١١٣) كتاب معرفة الصّحابة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرّجاه. وسكت عنه الذّهبي. وأخرج نحوه ابن سعد في " الطّبقات الكبرى " (م ٣/ص ٣٥) بإسناد مرسل ضعيف عن عبيد الله، لكنّ الحديث صحيح.
(¬٣) يعني لحيته من رأسه.
(¬٤) أحمد " المسند " (ج ١/ص ٤٧٢/رقم ٧٠٣).
(¬٥) أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي تَحْيى " المسند " (ج ١/ص ٤٧٨/رقم ٧١٣).