كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
فإن قيل: فقد ثبت في «صحيح البخاريِّ» (¬١) أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ارفُضِي عمرتك، وانقُضِي رأسَك وامتشطي»، وفي لفظٍ آخر (¬٢): «انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ، ودعي العمرة»، وهذا صريحٌ في رفضها من وجهين، أحدهما: قوله ارفُضيها ودعيها، والثَّاني: أمره لها بالامتشاط.
قيل: معنى قوله «ارفضيها»: اتركي أفعالها والاقتصارَ عليها، وكوني في حجَّةٍ معها. ويتعيَّن أن يكون هذا المراد لقوله: «حللت منهما جميعًا» لمَّا قضتْ أعمال الحجِّ، وقولِه: «يسَعُكِ طوافُك لحجِّك وعمرتك»، فهذا صريحٌ أنَّ إحرام العمرة لم يَرتفِضْ (¬٣)، وإنَّما رفضتْ أعمالَها والاقتصارَ عليها، وأنَّها بانقضاء حجِّها (¬٤) انقضى حجُّها وعمرتها، ثمَّ أعمرَها من التَّنعيم تطييبًا لقلبها، إذ تأتي بعمرةٍ مستقلَّةٍ كصواحباتها.
ويُوضح ذلك إيضاحًا بيِّنًا ما روى مسلم في «صحيحه» (¬٥) من حديث الزُّهريِّ، عن عروة عنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع، فحِضتُ، فلم أزل حائضًا حتَّى كان يوم عرفة، ولم أُهِلَّ إلا بعمرةٍ، فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنقُضَ رأسي وأمتشط، وأُهِلَّ بالحجِّ، وأترك العمرة، قالت: ففعلتُ ذلك، حتَّى إذا قضيتُ حجِّي بعث معي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، وأمرني أن أعتمر من التَّنعيم مكانَ عمرتي الَّتي
---------------
(¬١) برقم (١٧٨٣) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
(¬٢) رواه البخاري (٣١٦) ومسلم (١٢١١/ ١١١) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
(¬٣) ب: «يرفض».
(¬٤) «بانقضاء حجها» ليست في ك.
(¬٥) برقم (١٢١١/ ١١٢) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.