كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

وفي «صحيح البخاريِّ» (¬١) عنه: أنَّ سُراقة قال للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ألكم هذه خاصَّةً يا رسول اللَّه؟ قال: «بل للأبد».
فبيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ تلك العمرة الَّتي فسخَ من فسخَ منهم حجَّه (¬٢) إليها للأبد، وأنَّ العمرة دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة. وهذا يبيِّن أنَّ عمرة التمتع بعض الحجِّ.
وقد اعترض بعض (¬٣) النَّاس على الاستدلال بقوله: «بل لأبد الأبد» باعتراضين:
أحدهما: أنَّ المراد أنَّ سقوط الفرض بها لا يختصُّ بذلك العام، بل يسقطه إلى الأبد. وهذا الاعتراض باطلٌ، فإنَّه لو أراد ذلك لم يقل: «للأبد»، فإنَّ الأبد لا يكون في حقِّ طائفةٍ معيَّنةٍ، بل إنَّما يكون لجميع المسلمين. ولأنَّه قال: «دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة». ولأنَّهم لو أرادوا بذلك السُّؤال عن تكرر الوجوب لما اقتصروا على العمرة، بل كان السُّؤال عن الحجِّ. ولأنَّهم قالوا له: «عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟» ولو أرادوا تكرُّر وجوبها كلَّ عامٍ لقالوا له كما قالوا في الحجِّ: أكلَّ عامٍ يا رسول اللَّه؟ ولأجابهم بما أجابهم به في الحجِّ بقوله: «ذَرُوني ما تركتُكم، لو قلتُ: نعم، لوجبتْ» (¬٤). ولأنَّهم قالوا له: هذه لكم خاصَّةً؟ فقال: «بل لأبد الأبد»، فهذا السُّؤال والجواب صريحان في عدم الاختصاص.
---------------
(¬١) برقم (١٧٨٥).
(¬٢) في المطبوع: «حجة».
(¬٣) «بعض» ليست في ص.
(¬٤) رواه مسلم (١٣٣٧/ ٤١٢) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

الصفحة 262