كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
لمَّا ساروا إلى بني قُريظة قال: «لا تبدؤوهم بالسَّلام»، فهل هذا حكمٌ عامٌّ لأهل الذمَّة مطلقًا، أو يختصُّ بمن كانت حاله كحال أولئك؟ هذا موضع نظرٍ، ولكن قد روى مسلم في «صحيحه» (¬١) من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبدؤوا اليهود والنَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدَهم في الطَّريق فاضطرُّوه إلى أضيقِه»، والظَّاهر أنَّ هذا حكمٌ عامٌّ.
وقد اختلف السَّلف والخلف في ذلك (¬٢)، فقال أكثرهم: لا يُبْدَؤون (¬٣) بالسَّلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ وأبي أمامة وابن مُحَيرِيز (¬٤)، وهو وجهٌ في مذهب الشَّافعيِّ. لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السَّلام عليك فقط بدون ذكر الرَّحمة، وبلفظ الإفراد. وقالت طائفةٌ: يجوز الابتداء لمصلحةٍ راجحةٍ من حاجةٍ تكون له إليه، أو خوفٍ من أذاه، أو لقرابةٍ بينهما، أو لسببٍ يقتضي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعيِّ وعلقمة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمتَ فقد سلَّم الصَّالحون، وإن تركتَ فقد ترك الصَّالحون.
واختلفوا في وجوب (¬٥) الردِّ عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو
---------------
(¬١) برقم (٢١٦٧)، ورواه أيضًا الترمذي (١٦٠٢) واللفظ له.
(¬٢) انظر في هذا الموضوع: «التمهيد» (١٧/ ٩١ - ٩٤)، و «المجموع» (٤/ ٦٠٥، ٦٠٦)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٤/ ١٤٥)، و «الفتح» (١١/ ٤٥).
(¬٣) ك: «لا تبدأوهم».
(¬٤) ق، ب، م، مب: «أبي محيريز»، خطأ. وهو عبد الله بن محيريز.
(¬٥) «وجوب» ليست في ك.