كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

ويلزم من قال: إنَّ صومه لم يكن واجبًا، أحدُ الأمرين: إمَّا أن يقول: تُرِك استحبابه فلم يبقَ مستحبًّا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعودٍ برأيه، وخفي عليه استحباب صومه، وهذا بعيدٌ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حثَّهم على صيامه، وأخبر أنَّ صومه يكفِّر السَّنة الماضية (¬١)، واستمرَّ الصَّحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يَرِدْ (¬٢) عنه حرفٌ واحدٌ بالنَّهي عنه وكراهة صومه، فعُلِم أنَّ الذي تُرِك وجوبُه لا استحبابه.
فإن قيل: حديث معاوية المتَّفق عليه صريحٌ في عدم فرضيَّته وأنَّه لم يُفرَض قطُّ.
فالجواب: أنَّ حديث معاوية صريحٌ في نفي استمرار وجوبه، وأنَّه الآن غير واجبٍ، ولا ينفي وجوبًا متقدِّمًا منسوخًا، فإنَّه لا يمتنع أن يقال لِما كان واجبًا ونُسِخ وجوبه: «إنّ الله لم يكتبه علينا» (¬٣).
وجوابٌ ثانٍ: أنَّ غايته أن يكون النَّفي عامًّا في الزَّمان الماضي والحاضر، فيُخَصُّ بأدلَّة الوجوب في الماضي ويُترك النَّفي على استمرار الوجوب.
وجوابٌ ثالثٌ: وهو أنَّه - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نفى أن يكون فرضه ووجوبه مستفادًا من جهة القرآن، ودلَّ على هذا بقوله: «إنَّ الله لم يكتبه علينا»، وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإنَّ الواجب الذي كتبه الله على عباده هو ما أخبرهم بأنَّه كتبه عليهم، كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣]، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -
---------------
(¬١) رواه مسلم (١١٦٢/ ١٩٦) من حديث أبي قتادة- رضي الله عنه -، وقد تقدم.
(¬٢) ق، مب: «يُرْوَ».
(¬٣) ك: «عليه».

الصفحة 89