كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدُّم، وكان على المسلمين طلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجزَ (¬١) الشيطان، ووطَّأَ به الأرضَ وصلَّب الرمل وثبَّت الأقدامَ، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم؛ فسبق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على الحياض.
وبُني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريشٌ يكون فيها على تَلٍّ يُشرف على المعركة. ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله»، فما تعدَّى أحدٌ منهم موضعَ إشارته (¬٢).
فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم هذه قريش جاءت بخُيلائها وفخرها، جاءت تحادُّك وتكذِّبُ رسولَك»، وقام ورفع يديه واستنصر ربَّه وقال: «اللهم أنجِزْ لي ما وعدتَني، اللهم إني (¬٣) أنشدك عهدَك ووعدَك»، فالتزمه الصدِّيق من ورائِه وقال: يا رسول الله، أبشِرْ فوالذي نفسي بيده ليُنْجِزَنَّ اللهُ لك ما وعدك (¬٤).
---------------
(¬١) النسخ المطبوعة: «رجس» خلافًا للأصول وللفظ الآية. ومعنى «رجز الشيطان»: وسوسته، كما فسّره مجاهد وغيره. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٦٣ - ٦٧).
(¬٢) أخرجه مسلم (١٧٧٩، ٢٨٧٣) من حديث أنس وعمر - رضي الله عنهما -.
(¬٣) «إني» سقطت من ص، د، ز.
(¬٤) ذكره موسى بن عقبة كما في «الدلائل» للبيهقي (٣/ ١١٠). وذكره أيضًا ابنُ إسحاق ــ كما في «السيرة» لابن هشام (١/ ٦٢١) ــ والواقدي (١/ ٥٩) كلاهما دون قول أبي بكر. وكذا أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٨٤) عن هشام بن عروة دونه. وأخرجه الطبري (١١/ ٢١٩) أيضًا عن قتادة مقتصرًا على الجزء الأول: «اللهم إن قريشًا ... » بنحوه. وسيأتي مرّة أخرى مناشدة النبي - صلى الله عليه وسلم - ربَّه وموقف أبي بكر معه.

الصفحة 206